أحمد بن محمد القسطلاني

150

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باللسان فقط ورجاله خمسة ما بين بصري وواسطي وكوفي ، ورواية صحابي عن صحابي ، وفيه التحديث والإخبار والسماع والعنعنة ، وأخرجه المؤلف أيضًا في المغازي والنفقات ، ومسلم في الزكاة ، والترمذي في البر وقال حسن صحيح ، والنسائي في الزكاة . 56 - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا ، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ » . [ الحديث 56 - أطرافه في : 1295 ، 2742 ، 2744 ، 3936 ، 4409 ، 5354 ، 5659 ، 5668 ، 6373 ، 6733 ] . وبه قال : ( حدّثنا الحكم ) بفتح الكاف هو أبو اليمان ( بن نافع قال : أخبرنا شعيب ) هو ابن أبي حمزة القرشي ( عن الزهري ) أبي بكر محمد بن شهاب ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( عامر بن سعد ) بسكون العين ( عن سعد بن أبي وقاص ) المدني أحد العشرة ( أنه أخبره أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) يخاطب سعدًا ومن يصح منه الإنفاق . ( إنك لن تنفق نفقة ) قليلة أو كثيرة ( تبتغي ) أي تطلب ( بها وجه الله ) تعالى هو منع المتشابه وفيه مذهبان التفويض والتأويل . قال العارف المحقق شمس الدين بن اللبان المصري الشاذلي وقد جاء ذكره في آيات كثيرة : فإذا أردت أن تعلم حقيقة مظهره من الصور فاعلم أن حقيقته من غمام الشريعة بارق نور التوحيد ومظهره من العمل وجه الإخلاص : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ } [ الروم : 43 ] الآية . ويدل على أن وجه الإخلاص مظهره قوله تعالى { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [ الأنعام : 52 ] . وقوله تعالى : { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ } [ الإنسان : 9 ] . وقوله عز وجل : { إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى } [ الليل : 20 ] . والمراد بذلك كله الثناء بالإخلاص على أهله تعبيرًا بإرادة الوجه عن إخلاص النية وتنبيهًا على أنه مظهر وجهه سبحانه وتعالى . ويدل على أن حقيقة الوجه هو بارق نور التوحيد . قوله عز وجل : { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] أي إلاّ نور توحيده انتهى . والباء في قوله في الحديث بها للمقابلة أو بمعنى على ، ولذا وقع في بعض النسخ عليها بدل بها أو للسببية أي لن تنفق نفقة تبتغي بسببها وجه الله تعالى ( إلا ) نفقة ( أجرت عليها ) بضم الهمزة وكسر الجيم ولكريمة إلاّ أجرت بها وهي في اليونينية لأبي ذر والأصيلي وابن عساكر لكنه ضرب عليها بالحمرة . ( حتى ما تجعل ) أي الذي تجعله ( في فم امرأتك ) فأنت مأجور فيه ، وعلى هذا فالمرائي بعمل الواجب غير مثاب وإن سقط عقابه بفعله كذا قاله البرماوي كالكرماني . وتعقبه العيني بأن سقوط العقاب مطلقًا غير صحيح ، بل الصحيح التفصيل فيه وهو أن العقاب الذي يترتب على ترك الواجب يسقط لأنه أتى بعين الواجب ولكنه كان مأمورًا أن يأتي بما عليه بالإخلاص وترك الرياء ، فينبغي أن يعاقب على ترك الإخلاص لأنه مأمور به وتارك المأمور به يعاقب . وقال النووي : ما أريد به وجه الله يثبت فيه الأجر وإن حصل لفاعله في ضمنه حظ شهوة من لذة أو غيرها كوضع لقمة في فم الزوجة وهو غالبًا لحظ النفس والشهوة ، وإذا ثبت الأجر في هذا ففيما يراد به وجه الله فقط أحرى ، وفي رواية الكشميهني في في امرأتك بغير ميم . قال في الفتح : وهي رواية الأكثر والمستثنى محذوف لأن الفعل لا يقع مستثنى ، والتقدير كما قال العيني : لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلاّ نفقة أجرت عليها ، ويكون قوله : أجرت عليها صفة للمستثنى ، والمعنى على هذا لأن النفقة المأجور فيها هي التي تكون ابتغاء لوجه الله تعالى لأنها لو لم تكن لوجه الله لما كانت مأجورًا فيها ، والاستثناء متصل لأنه من الجنس والتنكير في قوله نفقة في سياق النفي يعم القليل والكثير والخطاب في أنك للعموم ، إذ ليس المراد سعدًا فقط فهو مثل : { وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ } [ السجدة : 12 ] . والصارف قرينة عدم اختصاصه ، ويحتمل أن يكون بالقياس . وحتى ابتدائية وما مبتدأ خبره المحذوف المقدر بقوله : ( فأنت مأجور فيه ) ، فالنية الصالحة إكسير تقلب العادة عبادة والقبيح جميلاً ، فالعاقل لا يتحرك حركة إلاّ لله فينوي بمكثه في المسجد زيارة ربه في انتظار الصلاة واعتكافه على طاعته وبدخوله الأسواق ذكر الله ، وليس الجهر بشرط وأمرًا بمعروف ونهيًا عن منكر وينوي عقب كل فريضة انتظار أخرى فأنفاسه إذًا نفائس ونيته خير من عمله . وهذا الحديث المذكور في الباب قطعة من حديث طويل مشهور أخرجه المؤلف في الجنائز والمغازي والدعوات والهجرة والطب والفرائض ، ومسلم في الوصايا ، وأبو داود والترمذي فيها أيضًا . وقال : حسن صحيح ،