أحمد بن محمد القسطلاني
143
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
تدليس زكريا أنه ( قال : سمعت النعمان بن بشير ) بفتح الموحدة وكسر المعجمة ابن سعد بسكون العين الأنصاري الخزرجي وأمه عمرة بنت رواحة ، وهو أوّل مولود للأنصار بعد الهجرة ، المقتول سنة خمس وستين ، وله في البخاري ستة أحاديث . وقول أبي الحسن القابسي ويحيى بن معين عن أهل المدينة إنه لا يصح للنعمان سماع من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يرده قوله هنا سمعت النعمان بن بشير ( يقول ) : ( سمعت رسول الله ) وفي رواية النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وعند مسلم والإسماعيلي من طريق زكريا وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أُذنيه ( يقول : الحلال بيّن ) أي ظاهر بالنظر إلى ما دل عليه بلا شبهة ( والحرام بين ) أي ظاهر بالنظر إلى ما دلّ عليه بلا شبهة ( وبينهما ) أمور ( مشبهات ) بتشديد الموحدة المفتوحة أي شبهت بغيرها مما لم يتبين به حكمها على التعيين . وفي رواية الأصيلي وابن عساكر مشتبهات بمثناة فوقية مفتوحة وموحدة مكسورة أي اكتسبت الشبهة من وجهين متعارضين ( لا يعلمها ) أي لا يعلم حكمها ( كثير من الناس ) أمن الحلال هي أم من الحرام ، بل انفرد بها العلماء إما بنص أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك ، فإذا تردّد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد وألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي ، فالمشتبهات على هذا في حق غيرهم وقد يقع لهم حيث لا يظهر ترجيح لأحد الدليلين ، وهل يؤخذ في هذا المشتبه بالحل أو الحرمة أو يوقف ؟ وهو كالخلاف في الأشياء قبل ورود الشرع ، والأصح عدم الحكم بشيء لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع ، وقيل الحل والإباحة ، وقيل المنع ، وقيل الوقف . وقد يكون الدليل غير خالٍ عن الاحتمال فالورع تركه لا سيما على القول بأن المصيب واحد وهو مشهور مذهب مالك ومنه ثار القول في مذهبه بمراعاة الخلاف أيضًا ، وكذلك روي أيضًا عن إمامنا الشافعي أنه كان يراعي الخلاف ، ونص عليه في مسائل ، وبه قال أصحابه حيث لا تفوت به سُنّة عندهم . ( فمن اتقى ) أي حذر ( المشبهات ) بالميم وتشديد الموحدة ، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر المشتبهات بالميم والمثناة الفوقية بعد الشين الساكنة ، وفي أخرى الشبهات بإسقاط الميم وضم الشين وبالموحدة ( استبرأ ) ولأبي ذر فقد استبرأ بالهمز بوزن استفعل ( لدينه ) المتعلق بخالقه ( وعرضه ) المتعلق بالخلق أي حصل البراءة لدينه من النقص ولعرضه من الطعن فيه ، ولابن عساكر والأصيلي لعرصه ودينه ، ( ومن ) شرطية وفعل الشرط قوله ( وقع في الشبهات ) التي أشبهت الحرام من وجه والحلال من آخر ، وللأصيلي المشتبهات بالميم وسكون الشين وفوقية قبل الموحدة ، ولابن عساكر المشبهات بالميم والموحدة المشددة وجواب الشرط محذوف في جميع نسخ الصحيح ، وثبت في رواية الدارمي عن أبي نعيم شيخ المؤلف فيه ولفظه قال : ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ( كراع ) أي مثله مثل راعٍ وفي رواية كما في اليونينية كراعي بالياء آخره ( يرعى ) جملة مستأنفة وردت على سبيل التمثيل للتنبيه بالشاهد على الغائب ، ويحتمل أن تكون من موصولة لا شرطية فتكون مبتدأ والخبر كراع يرعى ، وحينئذ لا حذف . والتقدير الذي وقع في الشبهات كراع يرعى مواشيه ( حول الحمى ) بكسر الحاء المهملة وفتح الميم المحمي من إطلاق المصدر على اسم المفعول والمراد موضع الكلأ الذي منع منه الغير وتوعد على من رعى فيه ( يوشك ) بكسر المعجمة أي يقرب ( أن يواقعه ) أي يقع فيه . وعند ابن حبّان : اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه ، فمن أكثر من الطيبات مثلاً فإنه يحتاج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يستحق فيقع في الحرام فيأثم وإن لم يتعمد لتقصيره أو يفضي إلى بطر النفس ، وأقل ما فيه الاشتغال عن مواقف العبودية ومن تعاطى ما نهي عنه أظلم قلبه لفقد نور الورع ، وأعلى الورع ترك الحلال مخافة الحرام كترك ابن أدهم أجرته لشكه في وقاء عمله وطوى من جوع شديد . فائدة : بالله ما لم تعلم حلّه يقينًا اتركه كتركه