أحمد بن محمد القسطلاني
140
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
والإسلام بالعمل إنما فسر به إيمان القلب والإسلام في الظاهر لا الإيمان الشرعي والإسلام الشرعي ، والمؤلف يرى أنهما والدين عبارات عن واحد ، والمتضح أن محل الخلاف إذا أفرد لفظ أحدهما فإن اجتمعا تغايرا كما وقع هنا . ثم ( قال ) جبريل : يا رسول الله ( ما الإحسان ) ؟ مبتدأ وخبر أل للعهد . أي : ما الإحسان المتكرر في القرآن المترتب عليه الثواب ؟ ( قال ) رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مجيئًا له : الإحسان ( أن تعبد الله ) أي عبادتك الله تعالى حال كونك في عبادتك له ( كأنك تراه ) أي مثل حال كونك رائيًا له ( فإن لم تكن تراه ) سبحانه وتعالى فاستمر على إحسان العبادة ( فإنه ) عز وجل ( يراك ) دائمًا ، والإحسان الإخلاص أو إجادة العمل ، وهذا من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام إذ هو شامل لمقام المشاهدة ومقام المراقبة ، ويتضح لك ذلك بأن تعرف أن للعبد في عبادته ثلاث مقامات . الأول : أن يفعلها على الوجه الذي تسقط معه وظيفة التكليف باستيفاء الشرائط والأركان . الثاني : أن يفعلها كذلك وقد استغرق في بحار المكاشفة حتى كأنه يرى الله تعالى ، وهذا مقامه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما قال : " وجعلت قرة عيني في الصلاة " لحصول الاستلذاذ بالطاعة والراحة بالعبادة وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه ، وهو ثمرة امتلاء زوايا القلب من المحبوب واشتغال السرّ به ، ونتيجته نسيان الأحوال من المعلوم واضمحلال الرسوم . الثالث : أن يفعلها وقد غلب عليه أن الله تعالى يشاهده وهذا هو مقام المراقبة . فقوله : فإن لم تكن تراه نزول عن مقام المكاشفة إلى مقام المراقبة أي إن لم تعبده وأنت من أهل الرؤية المعنوية فاعبده وأنت بحيث أنه يراك ، وكلٍّ من المقامات الثلاث إحسان إلاّ أن الإحسان الذي هو شرط في صحة العبادة إنما هو الأوّل لأن الإحسان بالآخرين من صفة الخواص ويتعذر من كثيرين ، وإنما أخر السؤال عن الإحسان لأنه صفة الفعل أو شرط في صحته والصفة بعد الموصوف ، وبيان الشرط متأخر عن المشروط قاله أبو عبد الله الآبي . ثم ( قال ) جبريل ( متى ) تقوم ( الساعة ) اللام للعهد والمراد يوم القيامة . ( قال : ما ) أي ليس ( المسؤول ) زاد في رواية أبي ذر عنها ( بأعلم من السائل ) بزيادة الموحدة في أعلم لتأكد معنى النفي ، والمراد نفي علم وقتها لأن علم مجيئها مقطوع به فهو علم مشترك ، وهذا وإن أشعر بالتساوي في العلم إلا أن المراد التساوي في العلم بأن الله استأثر بعلم وقت مجيئها لقوله بعد خمس لا يعلمهن إلاّ الله ، وليس السؤال عنها ليعلم الحاضرون كالأسئلة السابقة بل لينزجروا عن السؤال عنها كما قال تعالى : { يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَة } [ الأحزاب : 63 ] فلما وقع الجواب بأنه لا يعلمها إلا الله تعالى كفوًا ، وهذا السؤال والجواب وقعا بين عيسى ابن مريم وجبريل عليهما السلام كما في نوادر الحميدي ، لكن كان عيسى هو السائل وجبريل هو المسؤول ولفظه : حدّثنا سفيان : حدّثنا مالك بن مغول ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن الشعبي قال : سأل عيسى ابن مريم جبريل عن الساعة قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل . ( وسأخبرك عن أشراطها ) بفتح الهمزة جمع شرط بالتحريك أي علاماتها السابقة عليها أو مقدماتها لا المقارنة لها وهي : ( إذا ولدت الأمة ) أي وقت ولادة الأمة ( ربها ) أي مالكها وسيدها وهو هنا كناية عن كثرة أولاد السراري حتى تصير الأم كأنها أمة لابنها من حيث إنها ملك لأبيه ، أو أن الإماء تلدن الملوك فتصير الأم من جملة الرعايا والملك سيد رعيته ، أو كناية عن فساد الحال لكثرة بيع أمهات الأولاد فيتداولهن الملاك فيشتري الرجل أمه وهو لا يشعر ، أو هو كناية عن كثرة العقوق بأن يعامل الولد أمه معاملة السيد أمته في الإهانة بالسب والضرب والاستخدام ، فأطلق عليه ربها مجازًا لذلك ، وعورض بأنه لا وجه لتخصيص ذلك بولد الأمة إلا أن يقال إنه أقرب إلى العقوق ، وعند المؤلف في التفسير ربتها بتاء التأنيث على معنى النسمة ليشمل الذكر والأنثى ، وقيل : كراهة أن يقول ربها تعظيمًا للفظ الرب ، وعبّر بإذا الدالّة على الجزم لأن الشرط محقق الوقوع ، ولم يعبر بأن لأنه لا يصح أن يقال : إن قامت القيامة كان كذا ، بل يرتكب