أحمد بن محمد القسطلاني
135
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
مسلم ) حال كون ذلك ( إيمانًا واحتسابًا ) أي محتسبًا لا مكافأة ومخافة ( وكان معه ) أي مع المسلم . وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني معها أي الجنازة ( حتى يصلى ) بفتح اللام في اليونينية فقط وفي هامشها بكسرها ( عليها ويفرغ من دفنها ) بالبناء للفاعل في الفعلين أو بالبناء للمفعول والجار والمجرور فيهما هو النائب عن الفاعل ، وللأصيلي يصلّ بحذف الياء وكسر اللام ( فإنه يرجع من الأجْر بقيراطين ) مثنى قيراط وهو اسم لمقدار من الثواب يقع على القليل والكثير بينه بقوله ( كل قيراط مثل ) جبل ( أُحُد ) بضمتين بالمدينة سمي به لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك ، فحصول القيراطين مقيد بالصلاة والاتّباع في جميع الطريق مع الدفن وهو تسوية القبر بالتمام أو نصب اللبن عليه والأوّل أصح عندنا ، ويحتمل حصول القيراط بكل منهما ، لكن بتفاوت القيراط ولا يقال يحصل القيراطان بالدفن من غير صلاة بظاهر رواية فتح لام يصلى لأن المراد فعلهما معًا جميعًا بين الروايتين وحملاً للمطلق على المقيد ( ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن ) بنصب قبل على الظرفية وأن مصدرية أي قبل الدفن ( فإنه يرجع بقيراط ) من الأجْر ، فلو صلى وذهب إلى القبر وحده ثم حضر الدفن لم يحصل له القيراط الثاني كذا قاله النووي ، وليس في الحديث ما يقتضي ذلك إلا بطريق المفهوم ، فإن ورد منطوق بحصول القيراط بشهود الدفن وحده ، كان مقدمًا ويجمع حينئذ بتفاوت القيراط ، ولو صلى ولم يشيع رجع بالقيراط لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة إليها ، لكن يكون قيراط من صلى دون قيراط من شيع مثلاً وصلى ، وفي مسلم أصغرهما مثل أُحُد وهو يدل على أن القراريط تتفاوت ، وفي رواية مسلم أيضًا : من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط ، لكن يحتمل أن يكون المراد بالاتباع هنا ما بعد الصلاة ولو تبعها ولم يصل ولم يحضر الدفن فلا شيء له بل حكي عن أشهب كراهته ، وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في كتاب الجنائز بحول الله وقوته . وفي الحديث الحثّ على صلاة الجنازة واتّباعها وحضور الدفن والاجتماع لها ، ورجاله كلهم بصريون غير أبي هريرة ، واشتمل على التحديث والعنعنة ، وأخرجه النسائي في الإيمان والجنائز . ( تابعه ) أي تابع روحًا في الرواية عن عوف ( عثمان ) بن الهيثم بن جهم البصري ( المؤذن ) بجامعها المتوفى لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة عشرين ومائتين . وفي رواية ابن عساكر قال أبو عبد الله أي البخاري تابعه عثمان المؤذن ( قال : حدّثنا عوف ) الأعراب ( عن محمد ) بن سيرين ولم يروه عن الحسن ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحوه ) بالنصب أي بمعنى ما سبق لا بلفظه ، وهذه المتابعة وصلها أبو نعيم في مستخرجه هذا . 36 - باب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ : مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلاَّ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا . وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ . مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ . وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ : مَا خَافَهُ إِلاَّ مُؤْمِنٌ ، وَلاَ أَمِنَهُ إِلاَّ مُنَافِقٌ . وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى التَقاتُلِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } . ( باب خوف المؤمن من أن يحبط ) على صيغة المعلوم من باب علم يعلم ( عمله ) أي من حبط عمله وهو ثوابه الموعود به ( وهو لا يشعر ) به جملة اسمية وقعت حالاً لا يقال إن ما قاله المؤلف يقوّي مذهب الإحباطية لأن مذهبهم إحباط الأعمال بالسيئات وإذهابها جملة ، فحكموا على العاصي بحكم الكافر ، لأن مراد المؤلف إحباط ثواب ذلك العمل فقط لأنه لا يُثاب إلا على ما أخلص فيه . وقال النووي المراد بالحبط نقصان الإيمان وإبطال بعض العبادات لا الكفر انتهى . ولفظة ( من ) ساقطة في رواية ابن عساكر وهي مقدّرة عند سقوطها لأن المعنى عليها ، وهذا الباب وضعه المؤلف ردًّا على المرجئة القائلين بأن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط المطلقين الإيمان الكامل مع وجود المعصية . ( وقال إبراهيم ) بن يزيد بن شريك ( التيمي ) تيم الرباب بكسر الراء الكوفي المتوفى سنة اثنتين وتسعين ( ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا ) بفتح المعجمة أي يكذبني من رأى عملي مخالفًا لقولي ، وإنما قال ذلك لأنه كان يعظ ، وفي رواية الأربعة مكذبًاً بكسر الذال وهي رواية الأكثر كما قاله الحافظ ابن حجر ، ومعناه : أنه مع وعظه للناس لم يبلغ غاية العمل ، وقد ذمّ الله تعالى من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقصر في العمل فقال : { كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } [ الصف : 3 ] . وقال البيضاوي في آية { أَتَأْمُرُونَ