أحمد بن محمد القسطلاني

11

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

السنن والعلو بتقدم وفاة الراوي ، سواء كان سماعه مع متأخر الوفاة في آن واحد أو قبله ، والعلوّ بتقدّم السماع ، فمن تقدم سماعه من شيخ أعلى ممن سمع من ذلك الشيخ نفسه بعده . والنازل كالعالي بالنسبة إلى ضد الأقسام العالية . والمسلسل ما ورد بحالة واحدة في الرواة أو الرواية وأصحها قراءة سورة الصف . والغريب ما انفرد راوٍ بروايته أو برواية زيادة فيه عمّن يجمع حديثه كالزهري أحد الحفاظ في المتن أو السند ، وينقسم إلى غريب صحيح كالأفراد المخرجة في الصحيحين ، وإلى غريب ضعيف وهو الغالب على الغرائب ، وإلى غريب حسن . وفي جامع الترمذي منه كثير . والعزيز ما انفرد بروايته اثنان أو ثلاثة دون سائر رواة الحافظ المروي عنه . والمعلل ولا يقال المعلول ، خبر ظاهره السلامة لجمعه شروط الصحة ، لكن فيه علة خفية فيها غموض تظهر للنقاد أطباء السنة الحاذقين بعللها عند جمع طرق الحديث والفحص عنها ، كمخالفة راوي ذلك الحديث لغيره ممّن هو أحفظ وأضبط وأكثر عددًا وتفرّده وعدم المتابعة عليه ، مع قرائن تنبّه على وهمه في وصل مرسل أو رفع موقوف أو إدراج حديث في حديث ، أو لفظة أو جملة ليست من الحديث أدرجها فيه ، أو وهم بإبدال راوٍ ضعيف بثقة ، ويقع في الإسناد والمتن ، فالأوّل كحديث يعلى بن عبيد عن الثوري عن عمرو بن دينار " البيعان بالخيار " صرح النقاد بأن يعلى غلط إنما هو عبد الله بن دينار لا عمرو بن دينار ، وشذّ بذلك عن سائر أصحاب الثوري ، وسبب الاشتباه اتفاقهما في اسم الأب وفي غير واحد من الشيوخ ، وتقاربهما في الوفاة . وأما علة المتن فكحديث مسلم من جهة الأوزاعي عن قتادة ، أنه كتب إليه يخبره عن أنس أنه حدّثه أنه قال صلّيت خلف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر وعمر وعثمان ، فكانوا يستفتحون بالحمد لله ربّ العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أوّل قراءة ولا في آخرها ، فقد أعلّ الشافعي رضي الله عنه وغيره هذه الزيادة التي فيها عدم البسملة ، بأن سبعة أو ثمانية خالفوا في ذلك واتفقوا على الاستفتاح بالحمد لله رب العالمين ، ولم يذكروا البسملة . والمعنى أنهم يبدؤون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرأ بعدها ، ولا يعني أنهم يتركون البسملة . وحينئذ فكأن بعض رواته فهم من الاستفتاح نفي البسملة ، فصرّح بما فهمه وهو مخطىء في ذلك . ويتأيد بما صح عن أنس أنه سئل أكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يستفتح بالحمد لله رب العالمين أو ببسم الله الرحمن الرحيم ، فقال للسائل إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك ، على أن قتادة ولد أكمه وكاتبه لم يعرف ، وهذا أهم في التعليل ، وهذا من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها ولا يقوم به إلا ذو فهم ثاقب وحفظ واسع ومعرفة تامة بمراتب الرواة ، وملكة قوية بالأسانيد والمتون ، وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه كالصيرفيّ في نقد الدينار والدرهم . والفرد يكون مطلقًا بأن ينفرد الراوي الواحد عن كل واحد من الثقات وغيرهم ، ويكون بالنسبة إلى صفة خاصة ، وهو أنواع : ما قيد بثقة ، كقول القائل في حديث قراءته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الأضحى والفطر بقاف واقتربت ، لم يروه ثقة إلا ضمرة بن سعيد ، فقد انفرد به عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي واقد الليثي صحابيه ، أو ببلد معين كمكة والبصرة والكوفة . كقول القائل في حديث أبي سعيد الخدري المروي عند أبي داود في كتابيه السنن ، والتفرد ، عن أبي الوليد الطيالسي عن همام عن قتادة عن أبي نضرة عنه ، أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر . لم يرو هذا الحديث غير أهل البصرة . قال الحاكم إنهم تفردوا بذكر الأمر فيه من أول الإسناد الخ ، ولم يشركهم في لفظه سواهم . وكذا قال في حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن قوله ومسح رأسه بماء غير فضل يده ، سنّة غريبة تفرّد بها أهل مصر لم يشركهم أحد . ولا يقتضي شيء من ذلك ضعفه إلا أن يراد تفرّد واحد من أهل البصرة ، فيكون من الفرد المطلق . والثالث ما قيد براوٍ مخصوص حيث لم يروه عن فلان إلا فلان ، كقول أبي الفضل بن طاهر عقب الحديث المروي في السنن الأربعة من طريق سفيان