أحمد بن محمد القسطلاني

109

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

المسندي وإبراهيم بن محمد بن عرعرة ، ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عوانة وابن حبان والإسماعيلي وغيرهم ، وهو غريب عن عبد الملك تفرّد به عنه أبو غسان مالك بن عبد الواحد شيخ مسلم ، وليس هو في مسند أحمد على سعته ، قاله الحافظ ابن حجر : وأخرجه البخاري أيضًا في الصلاة كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته . ولما فرغ المؤلف من التنبيه على أن الأعمال من الإيمان ردًّا على المرجئة شرع يذكر أن الإيمان هو العمل ردًّا على المرجئة حيث قالوا إن الإيمان قول بلا عمل فقال : 18 - باب مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } . وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } عَنْ قَوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ . وَقَالَ { لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ } ( باب ) بغير تنوين لإضافته إلى قوله : ( من قال إن الإيمان هو العمل لقول الله تعالى ) ولأبوي ذر والوقت عز وجل ( وتلك ) مبتدأ خبره ( الجنة التي أورثتموها ) أي صيرت لكم إرثًا فأطلق الإرث مجازًا عن الإعطاء لتحقق الاستحقاق أو المورث الكافر وكان له نصيب منه ، ولكن كفره منعه فانتقل منه إلى المؤمن . وقال البيضاوي : شبّه جزاء العمل بالميراث لأنه يخلفه عليه العامل ، والإشارة إلى الجنة المذكورة في قوله تعالى : { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُون } [ الزخرف : 70 ] . والجملة صفة للجنة ، أو الجنة صفة للمبتدأ الذي هو تلك ، والتي أورثتموها صفة أخرى والخبر { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون } [ الزخرف : 72 ] . أي تؤمنون . وما مصدرية أي بعملكم أو موصولة أي بالذي كنتم تعملونه ، والباء للملابسة أي أورثتموها ملابسة لأعمالكم أي لثواب أعمالكم أو للمقابلة ، وهي التي تدخل على الأعواض كاشتريت بألف ، ولا تنافي بين ما في الآية وحديث لن يدخل أحد الجنة بعمله لأن المثبت في الآية الدخول بالعمل المقبول ، والمنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عنه والمقبول إنما هو من رحمة الله تعالى ، فآلى ذلك إلى أنه لم يقع الدخول إلا برحمته ، ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في محله بعون الله وقوته وقد أشبعت الكلام عليه في الواهب فليراجع . ( قال عدّة ) بكسر العين وتشديد الدال أي عدد ( من أهل العلم ) كأنس بن مالك فيما رواه الترمذي مرفوعًا بإسناد فيه ضعف ، وابن عمر فيما رواه الطبري في تفسيره ، والطبراني في الدعاء له ، ومجاهد فيما رواه عبد الرزاق في تفسيره ( في قوله تعالى ) وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت عز وجل ( فوربك ) يا محمد ( لنسألنهم ) أي المقتسمين جواب القسم مؤكدًا باللام ( أجمعين ) تأكيد للضمير في لنسألنهم مع الشمول في افراد المخصوصين ( عما كانوا يعملون عن لا إله إلاّ الله ) وفي رواية عن قول لا إله إلا الله وسقط لأبوي ذر والوقت والأصيلي لفظ قول ، ولفظ رواية ابن عساكر قال : عن لا إله إلا الله ، لكن قال النووي : المعنى لنسألنهم عن أعمالهم كلها التي يتعلق بها التكليف ، فقول من خص بلفظ التوحيد دعوى تخصيص بل دليل فلا تقبل انتهى . ومراده كما قاله صاحب عمدة القاري : أن دعوى التخصيص بلا دليل خارجي لا تقبل ، لأن الكلام عامّ في السؤال عن التوحيد وغيره ، فدعوى التخصيص بالتوحيد يحتاج إلى دليل خارجي ، فإن استدل بحديث الترمذي فقد ضعف من جهة ليث ، وليس التعميم في قوله أجمعين حتى يدخل فيه المسلم والكافر لكونه مخاطبًا بالتوحيد قطعًا وبباقي الأعمال على الخلاف ، فالمانع من الثاني يقول : إنما يسألون عن التوحيد فقط للاتفاق عليه ، وإنما التعميم هنا في قوله { عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون } [ الحجر : 93 ] . فتخصيص ذلك بالتوحيد تحكم ، ولا تنافي بين هذه الآية وبين قوله تعالى : { فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ } [ الرحمن : 39 ] . لأن في القيامة مواقف مختلفه وأزمنة متطاولة ، ففي موقف أو زمان يسألون ، وفي آخر لا يسألون أو لا يسألون سؤال استخبار بل سؤال توبيخ لمستحقه . ( وقال ) الله تعالى وسقط لغير الأربعة لفظ وقال ( لمثل هذا ) أي لنيل مثل هذا الفوز العظيم { فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُون } [ الصافات : 61 ] . أي فليؤمن المؤمنون لا للحظوظ الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة الانصرام ، وهذا يدل على أن الإيمان هو العمل كما ذهب إليه المصنف ، لكن اللفظ عامّ ودعوى التخصيص بلا رهان لا تقبل . نعم إطلاق العمل على الإيمان صحيح من حيث أن الإيمان هو عمل القلب : لكن لا يلزم من ذلك أن يكون العمل من نفس الإيمان ، وغرض البخاري من هذا الباب وغيره إثبات أن العمل