ابن تيمية
73
منهاج السنة النبوية
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ ، وَجَعَلُوهَا دَاخِلَةً فِي الْعَجْمَاءِ . وَضَعَّفَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ نَاقَةِ الْبَرَاءِ ( 1 ) . وَأَمَّا إِنْ كَانَ صَاحِبُهَا اعْتَدَى ، وَأَرْسَلَهَا فِي زَرْعِ قَوْمٍ ، أَوْ بِقُرْبِ زَرْعِهِمْ ( 2 ) ، أَوْ أَدْخَلَهَا إِلَى إِصْطَبْلِ الْحِمَارِ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا فَأَتْلَفَتْهُ ، فَهُنَا يَضْمَنُ لِعُدْوَانِهِ ( 3 ) . فَهَذِهِ قَضِيَّةُ الْبَقَرَةِ وَالْحِمَارِ ، إِنْ كَانَ صَاحِبُ الْبَقَرَةِ لَمْ يُفَرِّطْ ، فَالتَّفْرِيطُ
--> ( 1 ) قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى 8 / 146 ( ط . الْمُنِيرِيَّةِ 1350 ) : " وَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ فِيمَا جَنَتْهُ فِي مَالٍ أَوْ دَمٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ، لَكِنْ يُؤْمَرُ صَاحِبُهُ بِضَبْطِهِ ، فَإِنْ ضَبَطَهُ فَذَاكَ ، وَإِنْ عَادَ وَلَمْ يَضْبُطْهُ بِيعَ عَلَيْهِ ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ " وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي سُلَيْمَانَ . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يَضْمَنُ مَا جَنَتْهُ لَيْلًا وَلَا يَضْمَنُ مَا جَنَتْهُ نَهَارًا . وَهُوَ قَضَاءُ شُرَيْحٍ وَحُكْمُ الشَّعْبِيِّ . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ نَاقَةِ الْبَرَاءِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ ، وَعَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ بِاللَّيْلِ . قَالَ عَلِيُّ ( بْنُ حَزْمٍ ) : لَوْ صَحَّ هَذَا لَمَا سَبَقُونَا إِلَى الْقَوْلِ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ خَبَرٌ لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ عَنْ أَبِيهِ وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ . . فَصَحَّ أَنَّهُ مُرْسَلٌ ، لِأَنَّ حَرَامًا لَيْسَ هُوَ ابْنَ مُحَيِّصَةَ لِصُلْبِهِ ، إِنَّمَا هُوَ ابْنُ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ ، وَسَعْدٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْبَرَاءِ ، وَلَا أَبُو أُمَامَةَ ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُنْقَطِعٍ ، وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْحَنِيفِيِّينَ الْقَائِلِينَ : إِنَّ الْمُرْسَلَ وَالْمُسْنَدَ سَوَاءٌ أَنْ يَقُولُوا بِهِ ، وَلَكِنَّ هَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ " . ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ الِاحْتِجَاجَ بِقِصَّةِ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَرَدَّ ذَلِكَ ، وَقَالَ : " وَلَوْ رَوَوْا ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا قَامَتْ بِهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ " . ( 2 ) س ، ب : زَرَعَ . ( 3 ) ن : لِعَدَاوَتِهِ .