ابن تيمية
66
منهاج السنة النبوية
قُلْتُ : لَوِ اتَّخَذْتُ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ; فَنَزَلَتْ : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 125 ] . وَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ، فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ يَحْتَجِبْنَ ; فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ . وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْغَيْرَةِ ، فَقُلْتُ : { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ } [ سُورَةُ التَّحْرِيمِ : 5 ] ; فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ " ( 1 ) . وَهَذَا الْبَابُ فِي فَضَائِلِ عُمَرَ كَثِيرٌ جِدًّا . وَأَمَّا قِصَّةُ الْحُكُومَةِ فِي الْأَرْغِفَةِ ( 2 ) ، فَهِيَ مِمَّا يَحْكُمُ فِيهَا - وَمَا هُوَ أَدَقُّ مِنْهَا - مَنْ هُوَ ( 3 ) دُونَ عَلِيٍّ . وَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَفَارِيعِ مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقِسْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَّقَائِقِ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ هَذِهِ ، وَلَيْسُوا مِثْلَ عَلِيٍّ . وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْقُرْعَةِ ( 4 ) فَقَدْ رَوَاهَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ( 5 ) ،
--> ( 1 ) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 6 / 22 . ( 2 ) لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِيمَا سَبَقَ هَذِهِ الْقِصَّةَ ، وَكَلَامُ ابْنِ الْمُطَهَّرِ عَنْهَا فِي ( ك ) ص 180 ( م ) هُوَ كَمَا يَلِي : " وَأَوْضَحَ كَثِيرًا مِنَ الْمُشْكِلَاتِ : جَاءَ إِلَيْهِ شَخْصَانِ ، كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ وَمَعَ الْآخَرِ ثَلَاثَةٌ ، فَجَلَسَا يَأْكُلَانِ فَجَاءَهُمَا ثَالِثٌ وَشَارَكَهُمَا ، فَلَمَّا فَرَغُوا رَمَى إِلَيْهِمَا ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ ، فَطَلَبَ صَاحِبُ الْأَكْثَرِ خَمْسَةً ، فَأَبَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْأَقَلِّ ، فَتَخَاصَمَا وَرَجَعَا إِلَى عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، فَقَالَ قَدْ أَنْصَفَكَ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنَّ حَقِّي أَكْثَرُ وَأَنَا أُرِيدُ مِنْهُ الْحَقَّ فَقَالَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَخُذْ دِرْهَمًا وَاحِدًا وَأَعْطِهِ الْبَاقِيَ " . ( 3 ) عِبَارَةُ " مَنْ هُوَ " : سَاقِطَةٌ مِنْ ( س ) ، ( ب ) . ( 4 ) قَالَ ابْنُ الْمُطَهَّرِ فِي ( ك ) ص 181 ( م ) : " وَوَاقَعَ مَالِكَانِ جَارِيَةً لَهُمَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَحَمَلَتْ ، فَأَشْكَلَ الْحَالُ ، فَتَرَافَعَا إِلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَحَكَمَ بِالْقُرْعَةِ ، فَصَوَّبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلِهِ - ، وَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِينَا أَهْلَ الْبَيْتِ مَنْ يَقْضِي عَلَى سُنَنِ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، يَعْنِي بِهِ الْقَضَاءَ بِالْإِلْهَامِ " . ( 5 ) الْحَدِيثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي : سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2 / 376 - 377 ( كِتَابُ الطَّلَاقِ ، بَابُ مَنْ قَالَ بِالْقُرْعَةِ إِذَا تَنَازَعُوا فِي الْوَلَدِ ) وَنَصُّهُ : " عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَمَنِ ، فَقَالَ : إِنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَتَوْا عَلِيًّا يَخْتَصِمُونَ إِلَيْهِ فِي وَلَدٍ ، وَقَدْ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، فَقَالَ لِاثْنَيْنِ مِنْهُمَا : طِيبَا بِالْوَلَدِ لِهَذَا ، فَغَلِيَا ، ثُمَّ قَالَ لِاثْنَيْنِ : طِيبَا بِالْوَلَدِ لِهَذَا ، فَغَلِيَا ، ثُمَّ قَالَ لِاثْنَيْنِ : طِيبَا بِالْوَلَدِ لِهَذَا ، فَغَلِيَا ، فَقَالَ : أَنْتُمْ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ، إِنِّي مُقْرِعٌ بَيْنَكُمْ فَمَنْ قُرِعَ فَلَهُ الْوَلَدُ وَعَلَيْهِ لِصَاحِبَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَجَعَلَهُ لِمَنْ قُرِعَ ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ أَضْرَاسُهُ أَوْ نَوَاجِذُهُ " . قَالَ الْمُعَلِّقُ : " الْأَجْلَحُ ( فِي سَنَدِ الْحَدِيثِ ) اسْمُهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيُّ ، وَغَلِيَا : أَرَادَ بِهِ : صَاحَا . وَأَصْلُهُ فِعْلٌ مَاضٍ مِنْ " غَلَتِ الْقِدْرُ تَغْلِي غَلَيَانًا . وَفِي نُسْخَةٍ : غَلَبَا ( بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ) . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ رِوَايَةً أُخْرَى لِلْحَدِيثِ . وَجَاءَ الْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ فِي : سُنَنِ النَّسَائِيِّ 6 / 150 - 151 ( كِتَابُ الطَّلَاقِ ، بَابُ الْقُرْعَةِ فِي الْوَلَدِ إِذَا تَنَازَعُوا فِيهِ . . . ) ، الْمُسْنَدِ ( ط . الْحَلَبِيِّ 4 / 373 . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي كِتَابِهِ : " نَيْلِ الْأَوْطَارِ " 7 / 78 - 80 ، فِي كِتَابِ اللِّعَانِ ، بَابِ الشُّرَكَاءِ يَطَئُونَ الْأَمَةَ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ : " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ أَجْوَدَ مِنْ إِسْنَادِ الْمَرْفُوعِ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مَسْنَدِهِ وَقَالَ فِيهِ : فَأَغْرَمَهُ ثُلْثَيْ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ لِصَاحِبَيْهِ " . ثُمَّ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : " الْحَدِيثُ فِي إِسْنَادِهِ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْأَجْلَحِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ . وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَالْعِجْلِيُّ . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : يُعَدُّ فِي الشِّيعَةِ ، مُسْتَقِيمُ الْحَدِيثِ . وَضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ مُرْسَلًا . وَقَالَ النَّسَائِيُّ : هَذَا صَوَابٌ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، انْتَهَى . وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقَيْنِ : الْأُولَى مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَلِيلِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْهُ . وَالثَّانِيَةُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ زَيْدٍ عَنْهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ خَيْرٍ فَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ غَيْرَ أَنَّ الصَّوَابَ فِيهِ الْإِرْسَالُ . انْتَهَى وَعَلَى هَذَا لَمْ تَخْلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ مِنْ عِلَّةٍ ، فَالْأُولَى فِيهَا الْأَجْلَحُ ، وَالثَّانِيَةُ مَعْلُولَةٌ بِالْإِرْسَالِ ، وَالْمُرَادُ بِالْإِرْسَالِ هَا هُنَا الْوَقْفُ كَمَا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ ، لَا مَا هُوَ الشَّائِعُ فِي الِاصْطِلَاحِ مِنْ أَنَّهُ قَوْلُ التَّابِعِيِّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " .