ابن تيمية

54

منهاج السنة النبوية

وَقَوْلِهِ : { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ سُورَةُ الْحِجْرِ 49 ] ، { وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ } [ سُورَةُ الشَّرْحِ : 2 ، 3 ] وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَإِنَّمَا الْبَلَاغَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا } ) [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 63 ] ، هِيَ عِلْمُ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ ، فَيُذْكَرُ ( 1 ) مِنَ الْمَعَانِي مَا هُوَ أَكْمَلُ مُنَاسَبَةً لِلْمَطْلُوبِ ، وَيُذْكَرُ ( 2 ) مِنَ الْأَلْفَاظِ مَا هُوَ أَكْمَلُ فِي بَيَانِ تِلْكَ الْمَعَانِي . فَالْبَلَاغَةُ بُلُوغُ غَايَةِ الْمَطْلُوبِ ، أَوْ غَايَةِ الْمُمْكِنِ ، مِنَ الْمَعَانِي بِأَتَمِّ مَا يَكُونُ مِنَ الْبَيَانِ ، فَيَجْمَعُ صَاحِبُهَا بَيْنَ تَكْمِيلِ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ ، وَبَيْنَ تَبْيِينِهَا بِأَحْسَنِ وَجْهٍ . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ تَكُونُ هِمَّتُهُ إِلَى الْمَعَانِي ، وَلَا يُوَفِّيهَا حَقَّهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُبَيِّنَةِ . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ مُبَيِّنًا لِمَا فِي نَفْسِهِ ( 3 ) مِنَ الْمَعَانِي ، لَكِنْ لَا تَكُونُ تِلْكَ الْمَعَانِي مُحَصِّلَةً لِلْمَقْصُودِ الْمَطْلُوبِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ ، فَالْمُخْبِرُ مَقْصُودُهُ تَحْقِيقُ الْمُخْبَرِ بِهِ ، فَإِذَا بَيَّنَهُ ( 4 ) وَبَيَّنَ مَا يُحَقِّقُ ثُبُوتَهُ ، لَمْ يَكُنْ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي لَا يُحَقِّقُ مَا يُخْبِرُ بِهِ ، أَوْ لَا يُبَيِّنُ مَا يُعْلَمُ بِهِ ثُبُوتُهُ . وَالْآمِرُ مَقْصُودُهُ تَحْصِيلُ الْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ ، فَمَنْ أَمَرَ وَلَمْ يُحْكِمْ مَا أَمَرَ بِهِ ، أَوْ لَمْ يُبَيِّنِ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي أَمَرَ بِمَا هُوَ حِكْمَةٌ ، وَبَيَّنَ وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِيهِ . وَأَمَّا تَكَلُّفُ الْأَسْجَاعِ وَالْأَوْزَانِ ، وَالْجِنَاسِ وَالتَّطْبِيقِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا

--> ( 1 ) ن ، س : فَنَذْكُرُ . ( 2 ) ن ، س : وَنَذْكُرُ . ( 3 ) م : نُطْقِهِ . ( 4 ) م : أَثْبَتَهُ .