ابن تيمية
34
منهاج السنة النبوية
عَنِ الْآخَرِ بِالْحَقِيقَةِ أَوِ الْمَاهِيَّةِ ( 1 ) - كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ : يَشْتَرِكَانِ فِي الْمَاهِيَّةِ أَوِ الْحَقِيقَةِ ( 2 ) ، وَيَمْتَازُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِالْوُجُودِ أَوِ الْوُجُوبِ ( 3 ) . فَإِنْ قُلْتُمْ : إِنَّمَا اشْتَرَكَا فِي الْوُجُودِ الْعَامِّ الْكُلِّيِّ ، وَامْتَازَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْحَقِيقَةِ الَّتِي تَخُصُّهُ . قِيلَ : وَكَذَلِكَ يُقَالُ : إِنَّمَا اشْتَرَكَا فِي الْحَقِيقَةِ الْعَامَّةِ الْكُلِّيَّةِ ، وَامْتَازَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْوُجُودِ الَّذِي يَخُصُّهُ ; فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ مَا جَعَلْتُمُوهُ كُلِّيًّا مُشْتَرَكًا ( 4 ) ، كَالْجِنْسِ وَالْعَرَضِ الْعَامِّ ، وَبَيْنَ مَا جَعَلْتُمُوهُ مُخْتَصًّا مُمَيَّزًا جُزْئِيًّا ، كَالْفَصْلِ وَالْخَاصَّةِ . لَكِنْ عَمَدْتُمْ إِلَى شَيْئَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ، فَقَدَّرْتُمْ أَحَدَهُمَا فِي حَالِ عُمُومِهِ ، وَالْآخَرَ فِي حَالِ خُصُوصِهِ ، فَهَذَا كَانَ مِنْ تَقْدِيرِكُمْ ، وَإِلَّا فَكُلٌّ مِنْهُمَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّقْدِيرُ كَمَا أَمْكَنَ فِي الْآخَرِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُسَاوٍ لِلْآخَرِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ ، وَكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا وَمُمَيَّزًا ، فَلَا فَرْقَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَ مَا جَعَلْتُمُوهُ جِنْسًا أَوْ عَرَضًا عَامًّا ، وَمَا جَعَلْتُمُوهُ فَصْلًا أَوْ خَاصَّةً ، إِلَّا أَنَّكُمْ قَدَّرْتُمْ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَامًّا وَالْآخَرَ خَاصًّا . الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يُقَالَ : إِذَا قُلْتُمُ : الْمَوْجُودَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِأَمْرٍ آخَرَ . قِيلَ لَكُمْ : الْمُمَيَّزُ أَنْ يَكُونَ وُجُودًا ( 5 ) خَاصًّا ، فَلِمَ قُلْتُمْ : إِنَّهُ
--> ( 1 ) م : وَالْمَاهِيَّةِ . ( 2 ) م : وَالْحَقِيقَةِ . ( 3 ) م : وَالْوُجُوبِ . ( 4 ) ب : مُشْتَرَكًا كُلِّيًّا . ( 5 ) م : مَوْجُودًا