ابن تيمية
29
منهاج السنة النبوية
وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ : مَوْجُودٌ لَا مَوْجُودٌ ، وَوَاجِبٌ لَا وَاجِبٌ ، وَهَذَا مُنْتَهَى أَمْرِهِمْ ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ ، أَوْ رَفْعُ النَّقِيضَيْنِ . وَلِهَذَا يَصِيرُونَ إِلَى الْحَيْرَةِ وَيُعَظِّمُونَهَا ، وَهِيَ عِنْدَهُمْ مُنْتَهَى مَعْرِفَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ ، وَالْأَئِمَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ . وَمِنْ أُصُولِ ضَلَالِهِمْ ظَنُّهُمْ أَنَّ هَذَا تَنْزِيهٌ عَنِ التَّشْبِيهِ ، وَأَنَّهُمْ مَتَى وَصَفُوا بِصِفَةِ إِثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ كَانَ فِيهِ تَشْبِيهٌ بِذَلِكَ . وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ التَّشْبِيهَ الْمَنْفِيَّ عَنِ اللَّهِ هُوَ مَا كَانَ وَصْفُهُ بِشَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ ، أَوْ أَنْ يُجْعَلَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ مِثْلَ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ ; بِحَيْثُ يَجُوزُ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ ، أَوْ يَجِبُ لَهُ مَا يَجِبُ لَهُمْ ، أَوْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا . فَإِنَّ هَذَا هُوَ التَّمْثِيلُ الْمُمْتَنِعُ الْمَنْفِيُّ بِالْعَقْلِ مَعَ الشَّرْعِ ، فَيَمْتَنِعُ وَصْفُهُ بِشَيْءٍ مِنَ النَّقَائِصِ ( 1 ) ، وَيَمْتَنِعُ مُمَاثَلَةُ غَيْرِهِ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ ، فَهَذَانِ جُمَّاعٌ لِمَا يُنَزَّهُ الرَّبُّ تَعَالَى عَنْهُ ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ . وَعَلَى هَذَا وَهَذَا دَلَّ قَوْلُهُ تَعَالَى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ ] ، كَمَا قَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي مُصَنَّفٍ مُفْرَدٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ ( 2 ) . فَأَمَّا الْمُوَافَقَةُ فِي الِاسْمِ ، كَحَيٍّ وَحَيٍّ ، وَمَوْجُودٍ وَمَوْجُودٍ ، وَعَلِيمٍ وَعَلِيمٍ - فَهَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَيَلْزَمُ مَنْ نَفَى هَذَا التَّعْطِيلُ الْمَحْضُ ; فَإِنَّ كُلَّ
--> ( 1 ) م : النَّقَائِضِ . ( 2 ) وَهُوَ كِتَابُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ ، وَطُبِعَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ .