ابن تيمية
23
منهاج السنة النبوية
لِلْمَخْلُوقَاتِ ، بَلْ هُوَ وُجُودٌ مُطْلَقٌ ، أَوْ مَشْرُوطٌ بِنَفْيِ ( 1 ) الْأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ عَنِ اللَّهِ ، أَوْ نَفْيِ الْأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ ، وَقَدْ يَقُولُونَ : هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقَاتِ ، أَوْ حَالٌّ فِيهَا ، أَوْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا . فَهَذَا عِنْدَهُمْ غَايَةُ كُلِّ رَسُولٍ وَنَبِيٍّ ( 2 ) : النُّبُوَّةُ عِنْدَهُمُ الْأَخْذُ عَنِ الْقُوَّةِ الْمُتَخَيَّلَةِ الَّتِي صَوَّرَتِ الْمَعَانِيَ الْعَقْلِيَّةَ فِي الْمُثُلِ الْخَيَالِيَّةِ ، وَيُسَمُّونَهَا الْقُوَّةَ الْقُدْسِيَّةَ ; فَلِهَذَا جَعَلُوا الْوِلَايَةَ فَوْقَ النُّبُوَّةِ . وَهَؤُلَاءِ مِنْ جِنْسِ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ الْمَلَاحِدَةِ ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ ظَهَرُوا فِي قَالَبِ التَّصَوُّفِ وَالتَّنَسُّكِ وَدَعْوَى التَّحْقِيقِ وَالتَّأَلُّهِ ( 3 ) ، وَأُولَئِكَ ظَهَرُوا فِي قَالَبِ التَّشَيُّعِ وَالْمُوَالَاةِ ، فَأُولَئِكَ يُعَظِّمُونَ شُيُوخَهُمْ حَتَّى يَجْعَلُوهُمْ أَفْضَلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَقَدْ يُعَظِّمُونَ الْوِلَايَةَ حَتَّى يَجْعَلُوهَا أَفْضَلَ مِنَ النُّبُوَّةِ ، وَهَؤُلَاءِ يُعَظِّمُونَ أَمْرَ الْإِمَامَةِ ، حَتَّى قَدْ يَجْعَلُونَ الْأَئِمَّةَ أَعْظَمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْإِمَامَ أَعْظَمَ مِنَ النَّبِيِّ ، كَمَا يَقُولُهُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ . وَكِلَاهُمَا أَسَاطِينُ الْفَلَاسِفَةِ ( 4 ) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ النَّبِيَّ فَيْلَسُوفًا ، وَيَقُولُونَ : إِنَّهُ يَخْتَصُّ بِقُوَّةٍ قُدْسِيَّةٍ ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يُفَضِّلُ النَّبِيَّ عَلَى الْفَيْلَسُوفِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَضِّلُ الْفَيْلَسُوفَ عَلَى النَّبِيِّ . وَيَزْعُمُونَ أَنَّ النُّبُوَّةَ
--> ( 1 ) ن : يَنْفِي . ( 2 ) ب : وَمَبْنًى . ( 3 ) ن : وَالتَّأَلُّهِ وَذَلِكَ ، س ، ب : وَأَمْثَالِ ذَلِكَ . ( 4 ) ن : وَكِلَاهُمَا يُبَاطِنَا الْفَلَاسِفَةَ ، س ، ب : وَكِلَاهُمَا يُبَاطِنَانِ الْفَلَاسِفَةَ ، م : وَكِلَاهُمْ أَسَاطِينُ الْفَلَاسِفَةِ . وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالشِّيعَةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ مِنْ أَسَاطِينِ الْفَلَاسِفَةِ مِثْلَ ابْنِ سِينَا وَابْنِ عَرَبِيٍّ وَغَيْرِهِمَا يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا . . إِلَخْ .