ابن تيمية
17
منهاج السنة النبوية
وَالْعَقْلُ الْأَوَّلُ ( 1 ) عِنْدَهُمْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ هَذَا . وَقَالَ : " « بِكَ ، آخُذُ ، وَبِكَ أُعْطِي ، وَبِكَ الثَّوَابُ » " وَهَذَا الْعَقْلُ عِنْدَهُمْ ( * هُوَ رَبُّ الْعَالَمِ كُلِّهِ ، هُوَ الْمُبْدِعُ لَهُ كُلِّهِ ، وَهُوَ مَعْلُولُ الْأَوَّلِ ، لَا يَخْتَصُّ بِهِ أَرْبَعَةُ أَعْرَاضٍ ، بَلْ هُوَ عِنْدَهُمْ * ) ( 2 ) مُبْدِعُ الْجَوَاهِرِ كُلِّهَا : الْعُلْوِيَّةِ ، وَالسُّفْلِيَّةِ ، وَالْحِسِّيَّةِ ( 3 ) ، وَالْعَقْلِيَّةِ . وَالْعَقْلُ فِي لُغَةِ الْمُسْلِمِينَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ وَإِمَّا قُوَّةٌ فِي النَّفْسِ ( 4 ) . وَأَمَّا مَصْدَرُ [ الْعَقْلِ ] ( 5 ) : عَقَلَ يَعْقِلُ عَقْلًا ، وَأَمَّا الْعَاقِلُ فَلَا يُسَمَّى فِي لُغَتِهِمُ الْعَقْلَ . وَهَؤُلَاءِ فِي اصْطِلَاحِهِمُ الْعَقْلُ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ . وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا ، وَبَيَّنَّا حَقِيقَةَ أَمْرِهِمْ بِالْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ ، وَأَنَّ مَا يُثْبِتُونَهُ مِنَ الْمُفَارَقَاتِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَا يَرْجِعُ إِلَّا إِلَى أَمْرِ وُجُودِهَا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ ، إِلَّا النَّفْسَ النَّاطِقَةَ ، وَقَدْ أَخْطَئُوا فِي بَعْضِ صِفَاتِهَا ( 6 ) . وَهَؤُلَاءِ قَوْلُهُمْ : إِنَّ الْعَالَمَ مَعْلُولٌ عِلَّةً قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً وَاجِبَةَ الْوُجُودِ ، وَإِنَّ الْعَالَمَ لَازِمٌ لَهَا ، لَكِنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ : إِنَّهُ عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ ، وَإِنَّ الْأَفْلَاكَ تَتَحَرَّكُ حَرَكَةً إِرَادِيَّةً شَوْقِيَّةً لِلتَّشَبُّهِ بِهِ ، وَهُوَ مُحَرِّكٌ لَهَا ، كَمَا يُحَرِّكُ
--> ( 1 ) الْأَوَّلُ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( س ) ، ( ب ) . ( 2 ) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ ( م ) . ( 3 ) ن ، م : الْحِسِّيَّةِ . ( 4 ) ب : إِمَّا قُوَّةُ النَّفْسِ ، وَهُوَ خَطَأٌ . ( 5 ) الْعَقْلِ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) . ( 6 ) انْظُرْ فِي هَذَا : الرِّسَالَةَ " السَّبْعِينِيَّةَ " لِابْنِ تَيْمِيَّةَ ، ضِمْنَ مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى الْكُبْرَى ، نَشَرَهُ فَرَجُ اللَّهِ الْكُرْدِيُّ ، مَطْبَعَةُ كُرْدِسْتَانَ الْعِلْمِيَّةُ ، الْقَاهِرَةُ ، 1329 . وَانْظُرْ كِتَابِي : مُقَارَنَةٌ بَيْنَ الْغَزَالِيِّ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ ، ط . دَارِ الْقَلَمِ ، الْكُوَيْتِ ، 1395 1975 .