ابن تيمية
86
منهاج السنة النبوية
كَانَ قَدْ ( 1 ) يَمِيلُ بِقَلْبِهِ إِلَى أَنْ يُوَلَّى ، لَكِنْ مَا قَالَ : إِنِّي أَنَا الْإِمَامُ ، وَلَا : إِنَّى مَعْصُومٌ ، وَلَا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( 2 ) جَعَلَنِي الْإِمَامَ بَعْدَهُ ، وَلَا أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى النَّاسِ مُتَابَعَتِي ، وَلَا نَحْوَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ . بَلْ نَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ مَنْ نَقَلَ هَذَا وَنَحْوَهُ عَنْهُ فَهُوَ كَاذِبٌ عَلَيْهِ . وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ الْكَذِبَ الظَّاهِرَ ، الَّذِي تَعْلَمُ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ أَنَّهُ كَذِبٌ . وَأَمَّا نَقْلُ النَّاقِلِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : " لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلَّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى " . فَنَقُولُ : أَوَّلًا : أَيْنَ إِسْنَادُ هَذَا النَّقْلِ ( 3 ) ، بِحَيْثُ يَنْقُلُهُ ثِقَةٌ عَنْ ثِقَةٍ مُتَّصِلًا إِلَيْهِ ؟ وَهَذَا لَا يُوجَدُ قَطُّ ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا فِي كِتَابِ " نَهْجِ الْبَلَاغَةِ " وَأَمْثَالِهِ ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ أَنَّ أَكْثَرَ خُطَبِ هَذَا الْكِتَابِ مُفْتَرَاةٌ عَلَى عَلِيٍّ ، وَلِهَذَا لَا يُوجَدُ غَالِبُهَا فِي كِتَابٍ مُتَقَدِّمٍ ، وَلَا لَهَا إِسْنَادٌ مَعْرُوفٌ . فَهَذَا الَّذِي نَقَلَهَا مِنْ أَيْنَ نَقَلَهَا ؟ . وَلَكِنَّ هَذِهِ الْخُطَبَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ عَلَوِيٌّ أَوْ عَبَّاسِيٌّ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ سَلَفِهِ ادَّعَى ذَلِكَ قَطُّ ، وَلَا ادَّعَى ذَلِكَ لَهُ ، فَيُعْلَمُ كَذِبُهُ . فَإِنَّ النَّسَبَ يَكُونُ مَعْرُوفًا مِنْ أَصْلِهِ حَتَّى يَتَّصِلَ بِفَرْعِهِ ، وَكَذَلِكَ الْمَنْقُولَاتِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً مَعْرُوفَةً عَمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ حَتَّى تَتَّصِلَ بِنَا . فَإِذَا صَنَّفَ وَاحِدٌ كِتَابًا ذَكَرَ فِيهِ خُطَبًا كَثِيرَةً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ
--> ( 1 ) قَدْ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( س ) ، ( ب ) . ( 2 ) س : إِنَّ الرَسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ب : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ خَطَأٌ . ( 3 ) س : هَذَا الْحَدِيثُ النَّقْلُ .