ابن تيمية
53
منهاج السنة النبوية
وَلَا يَرْوُونَ حَدِيثًا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ عَنْ كَذَّابٍ ، فَلَا يَرْوُونَ أَحَادِيثَ الْكَذَّابِينَ الَّذِينَ يُعْرَفُونَ بِتَعَمُّدِ الْكَذِبِ ، لَكِنْ قَدْ يَتَّفِقُ فِيمَا يَرْوُونَهُ مَا يَكُونُ صَاحِبُهُ أَخْطَأَ فِيهِ . وَقَدْ يَرْوِي الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا أَحَادِيثَ تَكُونُ ضَعِيفَةً عِنْدَهُمْ ; لِاتِّهَامِ رُوَاتِهَا بِسُوءِ الْحِفْظِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لِيُعْتَبَرَ بِهَا وَيُسْتَشْهَدَ بِهَا ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ مَا يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ مَحْفُوظٌ ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مَا يَشْهَدُ بِأَنَّهُ خَطَأٌ وَقَدْ يَكُونُ صَاحِبُهَا كَذَّبَهَا ( 1 ) فِي الْبَاطِنِ ، لَيْسَ مَشْهُورًا بِالْكَذِبِ ، بَلْ يَرْوِي كَثِيرًا مِنَ الصِّدْقِ ، فَيُرْوَى حَدِيثُهُ . وَلَيْسَ كُلُّ مَا رَوَاهُ الْفَاسِقُ يَكُونُ كَذِبًا ، بَلْ يَجِبُ التَّبَيُّنُ ( 2 ) مِنْ خَبَرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } [ سُورَةُ الْحُجُرَاتِ : 6 ] فَيُرْوَى لِتَنْظُرَ سَائِرَ الشَّوَاهِدِ : هَلْ تَدُلُّ عَلَى الصِّدْقِ أَوَ الْكَذِبِ ؟ . وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ يَعِزُّ عَلَيْهِ تَمْيِيزُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ ، بَلْ يَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ ، فَيَرْوِي مَا سَمِعَهُ كَمَا سَمِعَهُ ، وَالدَّرْكُ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَيْهِ ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَنْظُرُونَ فِي ذَلِكَ وَفِي رِجَالِهِ وَإِسْنَادِهِ . الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْكَذِبِ الْمَوْضُوعِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْمَوْضُوعَاتِ . وَهَذَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ ( 3 ) بِالْحَدِيثِ ، وَالْمَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ . وَلِذَلِكَ ( 4 ) لَا يُوجَدُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الَّتِي يَرْجِعُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ .
--> ( 1 ) ب : كَذَّابًا . ( 2 ) ن ، س : التَّبْيِينُ . ( 3 ) سَاقِطَةٌ مِنْ ( م ) . ( 4 ) ن ، م : وَلِهَذَا .