ابن تيمية

50

منهاج السنة النبوية

وَقَالَ طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ كَالْكَرَّامِيَّةِ : بَلْ هُوَ كَانَ إِمَامًا وَمُعَاوِيَةُ إِمَامًا ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ لِلنَّاسِ إِمَامَانِ لِلْحَاجَةِ . وَهَكَذَا قَالُوا فِي زَمَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَيَزِيدَ ، حَيْثُ لَمْ يَجِدُوا النَّاسَ اتَّفَقُوا عَلَى إِمَامٍ . وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، مَعَ أَنَّهُ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالْحَدِيثِ ، احْتَجَّ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِي السُّنَنِ : " « تَكُونُ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً ، ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا » " ( 1 ) . وَبَعْضُ النَّاسِ ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ ، لَكِنَّ أَحْمَدَ وَغَيْرَهُ يُثْبِتُونَهُ ، فَهَذَا عُمْدَتُهُمْ مِنَ النُّصُوصِ عَلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ ، فَلَوْ ظَفِرُوا بِحَدِيثٍ مُسْنَدٍ أَوْ مُرْسَلٍ مُوَافِقٍ لِهَذَا لَفَرِحُوا بِهِ . فَعُلِمَ أَنَّ مَا تَدَّعِيهِ الرَّافِضَةُ مِنَ النَّصِّ ، هُوَ مِمَّا لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَقْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا . وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ كَذِبَ هَذَا النَّقْلِ ، كَمَا يَعْلَمُونَ كَذِبَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ الْمَكْذُوبَةِ . وَقَدْ جَرَى تَحْكِيمُ الْحَكَمَيْنِ ، وَمَعَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا غَيْرِهِمْ مَنْ ذَكَرَ هَذَا النَّصَّ ، مَعَ كَثْرَةِ شِيعَتِهِ ، وَلَا فِيهِمْ مَنِ احْتَجَّ بِهِ ، فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ الَّذِي تَتَوَفَّرُ فِيهِ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى إِظْهَارِ مِثْلِ هَذَا النَّصِّ . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّصُّ مَعْرُوفًا عِنْدَ شِيعَةِ عَلِيٍّ - فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ - ; لَكَانَتِ الْعَادَةُ الْمَعْرُوفَةُ تَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ : هَذَا نَصُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى خِلَافَتِهِ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى مُعَاوِيَةَ . وَأَبُو مُوسَى نَفْسُهُ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ ، لَوْ ( 2 ) عَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ

--> ( 1 ) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1 / 515 . ( 2 ) ن ، م ، س : قَدْ .