ابن تيمية

36

منهاج السنة النبوية

لَهُ عُمَرُ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ : هِيهِ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ ، وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ ، فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ ( 1 ) . فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 199 ] وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ ، فَوَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ ، وَكَانَ عُمَرُ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ " . وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنَ الْمُتَوَاتِرِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ ، حَتَّى أَنَّهُ أَقَامَ عَلَى ابْنِهِ الْحَدَّ لَمَّا شَرِبَ ( 2 ) بِمِصْرَ ، بَعْدَ أَنْ كَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ضَرَبَهُ الْحَدَّ ، [ لَكِنْ ] ( 3 ) كَانَ ( 4 ) ضَرَبَهُ سِرًّا فِي الْبَيْتِ ، وَكَانَ النَّاسُ يُضْرَبُونَ عَلَانِيَةً ، فَبَعَثَ عُمَرُ إِلَى عَمْرٍو يَزْجُرُهُ وَيَتَهَدَّدُهُ ( 5 ) ، لِكَوْنِهِ حَابَى ابْنَهُ ، ثُمَّ طَلَبَهُ فَضَرَبَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : مَا لَكَ هَذَا ، فَزَجَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ضَرَبَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَكَذِبٌ عَلَى عُمَرَ ، وَضَرْبُ الْمَيِّتِ لَا يَجُوزُ ( 6 ) . وَأَخْبَارُ عُمَرَ الْمُتَوَاتِرَةُ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ ، وَأَنَّهُ كَانَ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ ، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ هُنَا .

--> ( 1 ) الْبُخَارِيِّ : هَمَّ بِهِ ، وَفِي قِرَاءَةِ هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ ، وَفِي قِرَاءَةِ : هَمَّ بِأَنْ يَقَعَ بِهِ . ( 2 ) ح ، ر ، ي : لَمَّا أَنْ شَرِبَ . ( 3 ) لَكِنْ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) . ( 4 ) كَانَ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ح ) . ( 5 ) ن ، م : وَيَتَوَعَّدُهُ . ( 6 ) ن ، م : لَا يَحِلُّ ، وَانْظُرْ هَذَا الْخَبَرَ فِي تَارِيخِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ ، ص 207 - 209 وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ ص 209 فَسَمَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ عَلَى قَتَبٍ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عَمْرٌو ، فَلَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى عُمَرَ جَلَدَهُ وَعَاقَبَهُ مِنْ أَجْلِ مَكَانِهِ مِنْهُ ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ ، فَلَبِثَ شَهْرًا صَحِيحًا ، ثُمَّ أَصَابَهُ قَدَرُهُ ، فَتَحَسَّبَ عَامَّةُ النَّاسِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ جَلْدِ عُمَرَ ، وَلَمْ يَمُتْ مِنْ جَلْدِهِ ، قُلْتُ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُظَنَّ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ ، وَإِنَّمَا شَرِبَ النَّبِيذَ مُتَأَوِّلًا يَظُنُّ أَنَّ الشُّرْبَ مِنْهُ لَا يُسْكِرُ ، وَكَذَلِكَ أَبُو سَرْوَعَةَ ، وَأَبُو سَرْوَعَةَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ ، فَلَمَّا خَرَجَ بِهِمَا الْأَمْرُ إِلَى السُّكْرِ طَلَبَا التَّطْهِيرَ بِالْحَدِّ ، وَقَدْ كَانَ يَكْفِيهِمَا مُجَرَّدُ النَّدَمِ عَلَى التَّفْرِيطِ ، غَيْرَ أَنَّهُمَا غَضِبَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمَا الْمُفْرِطَةِ ، فَأَسْلَمَاهَا إِلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ ، وَأَمَّا كَوْنُ عُمَرَ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى وَلَدِهِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ حَدًّا ، وَإِنَّمَا ضَرَبَهُ غَضَبًا وَتَأْدِيبًا وَإِلَّا فَالْحَدُّ لَا يُكَرَّرُ ، وَقَدْ أَخَذَ هَذَا الْحَدِيثَ قَوْمٌ مِنَ الْقُصَّاصِ فَأَبَدَأُوا فِيهِ وَأَعَادُوا ، فَتَارَةً يَجْعَلُونَ هَذَا الظَّنَّ مَضْرُوبًا عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ ، وَتَارَةً عَلَى الزِّنَا ، وَيَذْكُرُونَ كَلَامًا مُلَفَّقًا يُبْكِي الْعَوَامَّ ، وَانْظُرْ أَخْبَارَ عُمَرَ لِعَلِيٍّ وَنَاجِي طَنْطَاوِيٍّ ص 382 - 383 .