ابن تيمية
52
منهاج السنة النبوية
تَامَّ الْقُدْرَةِ مُرِيدًا تَامَّ الْإِرَادَةِ ، فَلَا يَكْفِي فِي الْإِحْدَاثِ مُجَرَّدُ وُجُودِ شَيْءٍ مُتَقَدِّمٍ ( 1 ) عَلَى الْإِحْدَاثِ ، فَكَيْفَ يَكْفِي مُجَرَّدُ عَدَمِ شَيْءٍ يَتَقَدَّمُ عَدَمُهُ عَلَى الْإِحْدَاثِ ؟ بَلْ لَا بُدَّ حِينَ الْإِحْدَاثِ مِنَ الْمُؤَثِّرِ التَّامِّ ، ثُمَّ كَذَلِكَ عِنْدَ حُدُوثِ الْمُؤَثِّرِ التَّامِّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُؤَثِّرٍ تَامٍّ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً يُقَارِنُهَا مَعْلُولُهَا ، لَزِمَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِلَا مُحْدِثٍ أَصْلًا . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى يَتَّصِفُ بِمَا بِهِ يَفْعَلُ الْحَوَادِثَ الْمَخْلُوقَةَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ الْحَاصِلَةِ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ، ( 2 ) كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ . وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي الْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ ( 3 ) ، وَتَقْسِيمُهَا إِلَى نَوْعَيْنِ ، يُزِيلُ الِاشْتِبَاهَ وَالِاضْطِرَابَ الْحَاصِلَ فِي هَذَا الْبَابِ . وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ ، فَإِنَّ ( 4 ) مَنْ قَالَ : الْقُدْرَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ ، يَقُولُ : كُلُّ كَافِرٍ وَفَاسِقٍ قَدْ كُلِّفَ مَا لَا يُطِيقُ ( 5 ) . وَلَيْسَ هَذَا الْإِطْلَاقُ قَوْلَ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَئِمَّتِهِمْ ، بَلْ يَقُولُونَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ الْحَجَّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ ، حَجَّ أَوْ لَمْ يَحُجَّ ، وَكَذَلِكَ أَوْجَبَ صِيَامَ الشَّهْرَيْنِ فِي الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ ، كَفَرَ أَوْ لَمْ يَكْفُرْ ، وَأَوْجَبَ الْعِبَادَاتِ عَلَى الْقَادِرِينَ دُونَ الْعَاجِزِينَ ، فَعَلُوا أَوْ لَمْ يَفْعَلُوا . وَمَا لَا يُطَاقُ يُفَسَّرُ بِشَيْئَيْنِ : يُفَسَّرُ بِمَا لَا يُطَاقُ ( 6 ) لِلْعَجْزِ عَنْهُ ; فَهَذَا لَمْ يُكَلِّفْهُ
--> ( 1 ) ب ، أ : مُقَدَّمٍ . ( 2 ) م ( فَقَطْ ) : مِنَ الْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ . ( 3 ) ع : الْإِرَادَةُ وَالْمَشِيئَةُ . ( 4 ) ب ، أ : وَأَنَّ . ( 5 ) ع ، ن ، م : مَا لَا يُطَاقُ . ( 6 ) ب ، أ : يُفَسَّرُ بِشَيْئَيْنِ مَا لَا يُطَاقُ .