ابن تيمية
47
منهاج السنة النبوية
لِأَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي تَخُصُّ الْفِعْلَ لَا تَكُونُ لِلتَّارِكِ وَإِنَّمَا تَكُونُ لِلْفَاعِلِ ، وَالْقُدْرَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ ، وَمَا كَانَ مِنَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِحَالِ وُجُودِ الْفِعْلِ . ثُمَّ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْقُدْرَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ الْفِعْلِ ، قَالُوا : لَا تَكُونُ مَعَ الْفِعْلِ ، لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ ، وَحَالَ وُجُودِ الْفِعْلِ يَمْتَنِعُ التُّرْكُ . فَلِهَذَا قَالُوا : الْقُدْرَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا قَبْلَ الْفِعْلِ ، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا ; لِأَنَّ ( 1 ) وُجُودَ الْأَثَرِ مَعَ عَدَمِ ( 2 ) بَعْضِ شُرُوطِهِ الْوُجُودِيَّةِ مُمْتَنِعٌ ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ مِنَ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ مَوْجُودًا عِنْدَ الْفِعْلِ ، فَنَقِيضُ قَوْلِهِمْ حَقٌّ ، وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ ( 3 ) لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ قُدْرَةٌ ، لَكِنْ صَارَ أَهْلُ الْإِثْبَاتِ هُنَا ( 4 ) حِزْبَيْنِ ؛ حِزْبًا قَالُوا : لَا تَكُونُ الْقُدْرَةُ إِلَّا مَعَهُ ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الْقُدْرَةَ نَوْعٌ وَاحِدٌ [ لَا تَصْلُحُ لِلضِّدَّيْنِ ( 5 ) ] ، وَظَنًّا مِنْ بَعْضِهِمْ ( 6 ) أَنَّ الْقُدْرَةَ عَرَضٌ فَلَا تَبْقَى زَمَانَيْنِ فَيَمْتَنِعُ وُجُودُهَا قَبْلَ الْفِعْلِ . وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْفِقْهِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ الْقُدْرَةَ نَوْعَانِ : نَوْعٌ مُصَحِّحٌ لِلْفِعْلِ يُمْكِنُ مَعَهُ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ ، فَهَذِهِ تَحْصُلُ ( 7 ) لِلْمُطِيعِ وَالْعَاصِي وَتَكُونُ قَبْلَ الْفِعْلِ ، وَهَذِهِ تَبْقَى ( 8 ) إِلَى حِينِ
--> ( 1 ) ن ، م ، ع : فَإِنَّ . ( 2 ) عَدَمِ سَاقِطَةٌ مِنْ ( ع ) . ( 3 ) سَاقِطٌ مِنْ ( ب ) فَقَطْ . ( 4 ) هُنَا : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ب ) ، ( أ ) . ( 5 ) لَا تَصْلُحُ لِلضِّدَّيْنِ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) . ( 6 ) ع فَقَطْ : وَظَنًّا مِنْهُمْ . ( 7 ) ب ، أ : تَصْلُحُ . ( 8 ) ب ، أ : وَهَذَا يَبْقَى .