ابراهيم بن السري بن سهل ( الزجاج )
34
معاني القرآن وإعرابه
فلما اتصَلَ بهم خَبَرُه وقد خرج نحوهم قال بعضهم لبعْضٍ : قد علمتم ما بيننا وبين هذا الرجل ، فامْنعوه صَدَقَاتِكًمْ ، فاتصل به ذلك فرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره أنهم مَنَعوه الصدقة وأنهم ارْتدُّوا ، وأعَدُّوا السِّلَاحَ للحَرْبِ ، فوجه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بخالد بن الوليد ومعه جيش ، وتقدم إِليْه أن ينزل بعقوتهم ليلاً ، فإن رأى ما يدل على إقامتهم على الإسلام من الأذان والصلاة والتَّهجد أمسك عن محاربتهم ، وطالبهم بصَدَقَاتِهِمْ فلما صار خَالِدٌ إليهم ليلاً سَمِعَ النداء بِالصلَاة ، ورآهم يُصَلُّونَ ويتهجَّدونَ ، وقالوا له : قد استبطأنا رسالة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في الصدَقَاتِ ، وسلموها إليه ، فأنزل اللَّه - عزَّ وجلَّ - ( إِنْ جَاءَكًمْ فَاسِق بِنَبَأٍ ) أي بخَبرٍ ( فَتَبَينوا أنْ تصِيبًوا قَوْمَاً بِجَهَالَةٍ ) أي كراهة أن تصِيبوا قوماً بِجَهَالَةٍ وهذا دليل أنه لا يجوز أن يقبل خبر من فاسق [ إلا أن ] ( 1 ) يتَبَيَّن وأَنَ الثقة يجوز قبول خبرِه . والثقةً من لم تجرب عليه شهادَةً زورٍ وَلَا يُعْرَف بفِسْقٍ وَلَا جُلِدَ في حَدٍّ ، وهو مع ذلك صحيح التمييز . * * * وقوله عزَّ وجلَّ : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) أي لو أطاع مثل هذا المخبر الذي أخبره بما لا أصل له لوقعتم في عَنَتٍ ، والعَنَتُ الفساد والهَلاَكُ . ( وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ ) . . هذا يعنى به المؤمنون المخلصون . ( وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ) . ويحتمل ( فِي قُلُوبِكُمْ ) وجهين : أحدهما أنه دلهم عليه بالحجج القاطعة البينة ، والآيات التي أتى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - المعجزةِ . والثاني أنه زَيَّنَهُ في قلوبهم بتوفيقه إياهم .