ابراهيم بن السري بن سهل ( الزجاج )

84

معاني القرآن وإعرابه

قال بعضهم : لولا ما أنزله اللَّه عليكم من القرآن ، وبين لكم من الآيات على لسان نبيه لاتَبعْتُم الشيطانَ إِلَّا قَلِيلًا ، أي كان أولكم بجوار الكفر . وهذا ليس قولُ أحد من أهل اللغة ، قال أهل اللغة كلُّهم : المعنى : ( وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ) إِنما هو استثناء من قوله ( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) إِلَّا قَلِيلًا ) . وقال النحويون : المعنى أذاعوا به إِلا قليلًا . وقالوا أن يكون الاستثناء من أذاعوا به إلا قليلًا أجود ، لأن مَا عُلِمَ بالاستنباط فليس الأكثر يعرفه ، إِنما يستنبط القليل ، لأن الفضائل والاستنباط ، والاستخراج في القليل من الناس . وهذا في هذا الموضع غلط من النحويين ، لأن هذا الاستنباط ليس بشيء يستخرج بنظر وتفكر ، إنما هو استنباط خبر ، فالأكثر يعرف الخبر ، إذا خُبِرَ بِه ، وإِنما القليل المبالِغُ في البلادة لا يَعْلَمُ ما يُخْبرُ بِه ، والقول الأول مع هذين القولين جائزة كلها . والله أعلم . لأن القرآن قبل أن ينزل والنبي قبل أن يبعث قد كان في الناس القليلُ ممن لم يشاهد القرآن ولا النبي - صلى الله عليه وسلم - مَؤمناً . وقد يجوز أن يقول القائل إِن من كان قبل هذا مَؤمناً فبفضل اللَّه وبرحمته آمَنَ ، فالفضل والرحمة لا يخلو منهما من نال ثواب الله جلَّ وعزَّ إلا أن المقصود به في هذا الموضع النبي - صلى الله عليه وسلم - والقرآن . * * * وقوله جلَّ وعزَّ ( فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا ( 84 ) هذه الفاءَ جواب قوله جلَّ وعزَّ : ( وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ( 74 ) .