أبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي

63

كتاب الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب

فالقولُ : أنّ هذه الحروف كأنّها وضعت اختصاراً ، لتنوبَ عن هذه المعاني ، وتدّل عليها ، ألا ترى أن الهمزة في الاستفهام قد أغنتْ عن أستفهمُ ، وكذلك ما عن أنفى ، فلو أعملتْ معاني الفعل في هذه المواضع ، كما أعمل المعنى في كأنّ ، والظّروف ، لأدّى ذلك إلى نقضِ الفرض الذي وصفنا ، من إرادة الاختصار ، ألا ترى أن هذه الحروف لو أعملتْ ، لكانت الأفعالُ كالمرادة ، كما أنّها لمّا أعملتْ في الظّروف كانت مرادةً ، إذا كانت مرادةً كأنّها مذكورة ، وإذا كانت مذكورةً كان ذلك نقضَ الفرضِ الذي أريد من الاختصار . فإن قلت : فهلاّ يعملُ ما في كأنّ من معنى الفعل ، وفى ليتَ ولعلّ ؟ فهذا كان القياس فيها ، ولكنْ لمّا جئنَ على لفظ الأفعال ، أعملتْ إعمالها ، وإن كانت لو لم تجئ على ألفاظها لم تعملْ ، ألا ترى أنّ المعنى الواحد قد تجده في كلامهم لا حكم له ، فإذا انضمّ إليه معنىً آخرُ ، قوّى المعنى ، فحدث باجتماعها حكمُ لم يكن في الانفراد ، فكذلك هذه الحروف ، لمّا انضمّ إلى المعنى لفظ الفعل ، عملَ بعضَ عملهِ ، كما صار أحمدُ كأذهبُ . من ذلك امّا في قولهم : أمّا زيدُ فمنطلقُ ، فالذي يدلّ على تضمنّه معنى الفعل ، دخول الفاءِ في جوابه . والذي يدلّ على أنّ الفاءَ جوابُ ، أنّها لا تخلو من أن تكونَ للعطفِ أو للجزاء ، فلا يجوز أن تكون للعطف ، لأنّها لو كانت له لم تخلُ من أن تعطف مفرداً على مفرد ، أو جملةً على جملةَ ، وليس في هذا الكلام واحدُ منهما ، فإذا لم يكن ثبت أنّها ليست عاطفةً . وإذا لم تكن عاطفةً ، كانت للجزاء ، والجزاءُ لا يكون إلاّ بفعل ، أو بمعنى فعلٍ ، وليس ها هنا فعلُ ، فثبتَ أنّه هنا معناه ، وذلك المعنى تتضمّنه أمّا ، ولم يذكرِ الفعلُ بعدها ،