ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
21
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور
الباب الثاني من الفن الأول من القطب الأول في أدوات التأليف اعلم أيها المنتصب لهذه الصناعة ، إنه يجب عليك إذا أردت تؤلف شيئاً من الكلام ، منثوراً كان أو منظوماً ، أن تأخذ من نفسك ، ساعة نشاطك وفراغ بالك ، وإجابتها لك ، فإن قليل تلك الساعة أجدى عليك بما يعطيك يومك بالكد والمطاولة . وإياك والتوعر فإنه يسلمك إلى التعقيد هو الذي يستهلك معانيك ، ويشين ألفاظك ، وسنبين لك فيما يأتي من هذا الكتاب ما تتوقي به ذلك ؛ فإذا حاولت أمراً بديعاً فالتمس له لفظا يناسبه ، فإنه جدير بالمعنى الشريف أن يكون لفظه شريفاً . وإذا وجدت ذلك فهو الدرجة التي لا أمد وراءها ، والمنزلة التي لا مطلع فوقها . وعليك بتنقيح الألفاظ وتحسينها ، فإن الخطب الرائقة والأشعار البارعة ، لم تعمل لا فهام المعاني فقط ، لأنه لو قصد بها الإفهام فقط لكان الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيد في الأفهام ، وإنما عملت الخطب والأشعار لأجل الإتيان ببداعة اللفظ ، وأحكام صنعته . ولسنا نعني بذلك أن يجعل المؤلف همته مقصورة على تجويد الألفاظ ، ويهمل المعاني المنوطة تحتها ، وإنما المعني به أن تكون المعاني المقصودة ذات ألفاظ حسنة رائقة ، وسنذكر معرفة اللفظ الجيد من الرديء ، والفرق بينهما ، فيما ، يأتي من كتابنا هذا . واعلم أن المعنى هو عماد اللفظ ، واللفظ هو زينة المعنى . والمعاني بمنزلة الأرواح ، والألفاظ بمنزلة الأجساد ، فأول ما يجب على المتكلم أن لا يؤلف كلامه من ألفاظ رديئة . ثم إن ألفه من