الخطيب البغدادي
269
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )
دجلة ، فرأيت ملاحا في سمارية ينادي : فرضة عثمان ، قصر عيسى ، أصحاب الساج ، فصحت به ، فقرب إلى الشط ، فجلست معه وانحدر بي ، فقال لي : إلى أين تريد ؟ فقلت لا أدري أين أريد ! فقال : ما رأيت أعجب أمرا منك ، تجلس معي في مثل هذا الوقت وأنحدر بك ، وتقول : لا أدري أين أتوجه ؟ فقصصت عليه قصتي ، فقال لي الملاح : لا تغتم ، فإني من أصحاب الساج ، وأنا أقصد بك إلى بغيتك إن شاء الله ، فحملني إلى مسجد معروف الكرخي الذي على دجلة في أصحاب الساج ، وَقَالَ لي : هذا معروف الكرخي ، يبيت في المسجد ويصلي فيه ، تطهر للصلاة وامض إليه إلى المسجد ، وقص عليه حالك ، وسله أن يدعو لك ، ففعلت ، ودخلت المسجد ، فإذا معروف يصلي في المحراب ، فسلمت وصليت ركعتين وجلست ، فلما سلم رد علي السلام ، وَقَالَ لي : من أنت رحمك الله ؟ فقصصت عليه قصتي وحالي ، فسمع ذلك مني ، وقام يصلي ، ومطرت السماء مطرا كثيرا ، فاغتممت ، وقلت : كيف جئت إلى هذا الموضع ومنزلي بسوق يحيى وقد جاء هذا المطر ؟ وكيف أرجع إلى منزلي ؟ واشتغل قلبي بذلك ، فبينا نحن كذلك إذ سمعت صوت حافر دابة ، فقلت : في مثل هذا الوقت حافر دابة ؟ فإذا هو يريد المسجد ، فنزل ودخل المسجد وسلم وجلس ، فسلم معروف ، وَقَالَ : من أنت رحمك الله ؟ فقال له الرجل : أنا رسول فلان ، وهو يقرأ عليك السلام ، ويقول لك : كنت نائما على وطاء وفوقي دثار ، فانتبهت على صورة نعمة الله علي ، فشكرت الله ، ووجهت إليك بهذا الكيس تدفعه إلى مستحقه ، فقال له : ادفعه إلى هذا الرجل الهاشمي ، فقال له : إنه خمس مائة دينار ، فقال له : أعطه ، فكذلك طلب له ، قَالَ : فدفعها إلي ، فشددتها في وسطي وخضت الوحل والطين في الليل حتى صرت إلى منزلي ، وجئت إلى البقال ، فقلت له : افتح لي بابك ، ففتح ، فقلت : هذه خمس مائة