ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
61
حجة الله البالغة
ومصلحة ترجع إِلَى الْمَدِينَة وَهِي أَنَّهَا تجمع لَا محَالة الضُّعَفَاء وَذَوي الْحَاجة وَتلك الْحَوَادِث تَغْدُو على قوم وَتَروح على آخَرين ، فَلَو لم تكن السّنة بَينهم مواساة الْفُقَرَاء وَأهل الْحَاجَات لهلكوا ، وماتوا جوعا ، وَأَيْضًا فنظام الْمَدِينَة يتَوَقَّف على مَال يكون بِهِ قوام معيشة الْحفظَة الذابين عَنْهَا والمدبرين السائسين لَهَا ، وَلما كَانُوا عاملين للمدينة عملا نَافِعًا - مشغولين بِهِ عَن اكْتِسَاب كفافهم - وَجب أَن تكون قوام معيشتهم عَلَيْهَا والانفاقات الْمُشْتَركَة لَا تسهل على الْبَعْض أَو لَا يقدر عَلَيْهَا الْبَعْض ، فَوَجَبَ أَن تكون جباية الْأَمْوَال من الرّعية سنة . وَلما لم يكن أسهل وَلَا أوفق بِالْمَصْلَحَةِ من أَن تجْعَل إِحْدَى المصلحتين مَضْمُومَة بِالْأُخْرَى أَدخل الشَّرْع إِحْدَاهمَا فِي الْأُخْرَى . ثمَّ مست الْحَاجة إِلَى تعْيين مقادير الزَّكَاة ، إِذا لَوْلَا التَّقْدِير لفرط المفرط ، ولاعتدى المعتدي ، وَيجب أَن تكون غير يسيره لَا يَجدونَ بهَا بَالا ، وَلَا تنجع من بخلهم ، وَلَا ثَقيلَة يعسر عَلَيْهِم أَدَاؤُهَا ، وَإِلَى تعْيين الْمدَّة الَّتِي نجنى فِيهَا الزكوات ، وَيجب أَلا تكون قَصِيرَة يسْرع دورانها ، فتعسر إِقَامَتهَا فِيهَا ، وَألا تكون طَوِيلَة لَا تنجع من بخلهم ، وَلَا تدر على المحتاجين والحفظة إِلَّا بعد انْتِظَار شَدِيد ، وَلَا أوفق بِالْمَصْلَحَةِ من أَن يَجْعَل القانون فِي الجباية مَا اعتاده النَّاس فِي جباية الْمُلُوك العادلة فِي رعاياهم ، لِأَن التَّكْلِيف بِمَا اعتاده الْعَرَب والعجم ، وَصَارَ كالضروري الَّذِي لَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حرجا مِنْهُ ، وَالْمُسلم الَّذِي أذهبت الألفة عَنهُ الكلفة أقرب من إِجَابَة الْقَوْم وأوفق للرحمة بهم . والأبواب الَّتِي اعتادها طوائف الْمُلُوك الصَّالِحين من أهل الأقاليم الصَّالِحَة وَهُوَ غير ثقيل عَلَيْهِم ، وَقد تلقتها الْعُقُول بِالْقبُولِ - أَرْبَعَة : الأول أَن تُؤْخَذ من حَوَاشِي الْأَمْوَال النامية ، فَإِنَّهَا أحْوج الْأَمْوَال إِلَى الذب عَنْهَا لِأَن النمو لَا يتم إِلَّا بالتردد خَارج الْبِلَاد ، وَلَإِنْ إِخْرَاج الزَّكَاة أخف عَلَيْهِم لما يرَوْنَ من التزايد كل حِين ، فَيكون الْغرم بالغنم والأموال النامية ثَلَاثَة أَصْنَاف : الْمَاشِيَة المتناسلة السَّائِمَة . والزروع . وَالتِّجَارَة . وَالثَّانِي : أَن تُؤْخَذ من أهل الدُّثُور والكنوز لأَنهم أحْوج النَّاس إِلَى حفظ المَال من السراق وقطاع الطَّرِيق ، وَعَلَيْهِم انفاقات لَا يعسر عَلَيْهِم أَن تدخل الزَّكَاة فِي تضاعيفها .