ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
56
حجة الله البالغة
وَإِلَى هَذِه النُّكْتَة أَشَارَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لقَوْله " الْمَيِّت يبْعَث فِي ثِيَابه الَّتِي يَمُوت فِيهَا " وَالْأَصْل فِي التَّكْفِين الشّبَه بِحَال النَّائِم المسجي بِثَوْبِهِ ، أكمله فِي الرجل إِزَار وقميص وَمِلْحَفَة أَو حلَّة ، وَفِي الْمَرْأَة هَذِه مَعَ زِيَادَة لِأَنَّهُ يُنَاسِبهَا زِيَادَة السّتْر قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تغَالوا فِي الْكَفَن فَإِنَّهُ يسلب سلبا سَرِيعا " أَرَادَ الْعدْل بَين الإفراط والتفريط وَألا ينتحلوا عَادَة الْجَاهِلِيَّة فِي المغالاة . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَسْرعُوا فِي بالجنازة فَإِنَّهَا إِن تَكُ صَالِحَة " أَقُول السَّبَب فِي ذَلِك أَن الإبطاء مَظَنَّة فَسَاد جثة الْمَيِّت وقلق الْأَوْلِيَاء فَإِنَّهُم مَتى مَا رَأَوْا الْمَيِّت اشتدت موجدتهم ، وَإِذا غَابَ عَنْهُم اشتغلوا عَنهُ ، وَقد أَشَارَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كلا السببين فِي كلمة وَاحِدَة حَيْثُ قَالَ " لَا يَنْبَغِي لجيفة مُسلم أَن تحسس بَين ظهراني أَهله " . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَإِن كَانَت صَالِحَة " الخ أَقُول : هَذَا عندنَا مَحْمُول على حَقِيقَته ، وَبَعض النُّفُوس إِذا فَارَقت أجسادها تحس بِمَا يفعل بجسدها ، وتتكلم بِكَلَام روحاني إِنَّمَا يفهم من الترشح على النُّفُوس دون المألوف عِنْد النَّاس من الِاسْتِمَاع بالأذن ، وَذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَّا الْإِنْسَان " . قُوَّة لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من اتبع جَنَازَة مُسلم إِيمَانًا واحتسابا " الخ أَقُول : السِّرّ فِي شرع الِاتِّبَاع إكرام الْمَيِّت وجبر قُلُوب الْأَوْلِيَاء ليَكُون طَرِيقا إِلَى اجْتِمَاع أمة صَالِحَة من الْمُؤمنِينَ للدُّعَاء لَهُ تعرضا لمعاونة الْأَوْلِيَاء فِي الدّفن ؛ وَلذَلِك رغب فِي الْوُقُوف لَهَا إِلَى أَن يفرغ من الدّفن ، وَنهى عَن الْقعُود حَتَّى تُوضَع . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِن الْمَوْت فزع فَإِذا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَة فَقومُوا " أَقُول لما كَانَ ذكر هاذم اللَّذَّات والاتعاظ من انْقِرَاض حَيَاة الاخوان مَطْلُوبا وَكَانَ أمرا خفِيا لَا يدْرِي الْعَامِل بِهِ من التارك لَهُ ضبط بِالْقيامِ لَهَا ، وَلكنه النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعزم عَلَيْهِ وَلم يكن سنة قَائِمَة ، وَقيل : مَنْسُوخ ، وعَلى هَذَا فالسر فِي النّسخ أَنه كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَفْعَلُونَ أفعالا مشابهة بِالْقيامِ ، فخشي أَن يحمل ذَلِك على غير محمله ، فَيفتح بَاب الممنوعات ،