ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
51
حجة الله البالغة
وَأهل الْمَيِّت قد أَصَابَهُم حزن شَدِيد ، فمصلحتهم من حَيْثُ الدُّنْيَا أَن يعزوا ؛ ليخفف ذَلِك عَنْهُم بعض مَا يجدونه . وَأَن يعاونوا على دفن ميتهم ، وَأَن يهيأ لَهُم مَا يشبعهم فِي يومهم وليلتهم ، وَمن حَيْثُ الْآخِرَة أَن يَرْغَبُوا فِي الْأجر الجزيل ليَكُون سدا لغوصهم فِي القلق ، وفتحا لباب التَّوَجُّه إِلَى الله ، وَأَن ينهوا عَن النِّيَاحَة وشق الْجُيُوب وَسَائِر مَا يذكرهُ الأسف والموجدة ، ويتضاعف بِهِ الْحزن والقلق ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَة الْمَرِيض يحْتَاج أَن يداوى مَرضه لَا يَنْبَغِي أَن يمد فِيهِ ، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة ابتدعوا أمورا تقضى إِلَى الشّرك بِاللَّه ، فمصلحة الْملَّة أَن يسد ذَلِك الْبَاب ، إِذا علمت هَذَا حَان أَن شرع فِي شرح الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْبَاب ، قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا من مُسلم يُصِيبهُ أَذَى من مرض ، فَمَا سواهُ إِلَّا حط الله تَعَالَى بِهِ سيأته كَمَا تحط الشَّجَرَة وَرقهَا " . أَقُول قد ذكرنَا الْمعَانِي الْمُوجبَة لتكفير الْخَطَايَا ، مِنْهَا كسر حجاب النَّفس ، وتحلل النَّسمَة البهيمية الحاملة للملكات السَّيئَة ، وَأَن صَاحبهَا يعرض عَن الاطمئنان بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا نوع إِعْرَاض . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مثل الْمُؤمن كَمثل الخامة وَمثل الْمُنَافِق كَمثل الازره " الحَدِيث أَقُول : السِّرّ فِي ذَلِك أَن لنَفس الْإِنْسَان قوتين : قُوَّة بهيمية ، وَقُوَّة ملكية ، وَأَن من خاصيته أَنه قد تكمن بهيميته ، وتبرز ملكيته ، فَيصير فِي أعداد الْمَلَائِكَة . . . ، وَقد تكمن ملكيته ، وتبرز بهيميته ، فَيصير كَأَنَّهُ من الْبَهَائِم لَا يعبأ بِهِ ، وَله عِنْد الْخُرُوج من سُورَة البهيمية إِلَى سلطنة الملكية أَحْوَال تتعالجان فِيهَا ، تنَال هَذِه مِنْهَا وَتلك من هَذِه . . . ، وَتلك مَوَاطِن المجازاة فِي الدُّنْيَا ، وَقد ذكرنَا لمية المجازاة من قبل ، فراجع . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذا مرض العَبْد ، أَو سَافر كتب لَهُ بِمثل مَا كَانَ يعْمل صَحِيحا مُقيما " أَقُول : الْإِنْسَان إِذا كَانَ جَامع الهمة على الْفِعْل ، وَلم يمْنَع عَنهُ إِلَّا مَانع خارجي ، فقد أَتَى بوظيفة الْقلب ، وَإِنَّمَا التَّقْوَى فِي الْقلب ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَال شُرُوح ومؤكدات ، يعَض عَلَيْهَا عِنْد الِاسْتِطَاعَة ، ويمهل عِنْد الْعَجز .