ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
10
حجة الله البالغة
وَلما كَانَت السجدتان لَا تصيران اثْنَيْنِ إِلَّا بتخلل فعل أَجْنَبِي شرعت الجلسة بَينهمَا . وَلما كَانَت القومة والسجدة بِدُونِ الطُّمَأْنِينَة طيشا وَلَعِبًا منافيا للطاعة أَمر بطمأنينة فيهمَا . وَلما كَانَ الْخُرُوج من الصَّلَاة ينْقض صلطهارة أَو غير ذَلِك من مَوَانِع الصَّلَاة ومفسداتها - قبيحا مستنكرا منافيا للتعظيم ، وَلَا بُد من فعل ننتهي بِهِ الصَّلَاة وَيُبَاح بِهِ مَا حرم فِي الصَّلَاة وَلَو لم يضْبط لذهب كل وَاحِد إِلَى هَوَاهُ - وَجب أَن لَا يكون الْخُرُوج إِلَّا بِكَلَام وَهُوَ أحسن كَلَام النَّاس أَعنِي السَّلَام ، وَأَن يُوجب ذَلِك وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تحليلها التَّسْلِيم " . وَكَانَ الصَّحَابَة استحبوا أَن يقدموا على السَّلَام قَوْلهم : السَّلَام على الله قبل عباده ، السَّلَام على جِبْرَائِيل وَالسَّلَام على فلَان ، فَغير رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِك بالتحيات ، وَبَين سَبَب التَّغْيِير حَيْثُ قَالَ : " لَا تَقولُوا السَّلَام على الله فَإِن الله هُوَ السَّلَام " يَعْنِي إِنَّمَا الدُّعَاء بالسلامة إِن يُنَاسب من لَا تكون السَّلامَة من الْعَدَم ولواحقه ذاتيا لَهُ ، ثمَّ اخْتَار بعده السَّلَام على النَّبِي تنويها بِذكرِهِ وإثباتا اللإقرار برسالته أَدَاء لبَعض حُقُوقه ، ثمَّ عمم بقوله : السَّلَام علينا وعَلى عياد الله الصَّالِحين ، قَالَ : فَإِذا قَالَ ذَلِك أصَاب كل عبد صَالح فِي السَّمَاء وَالْأَرْض " ثمَّ أَمر بالتشهد لِأَنَّهُ أعظم الْأَذْكَار قَالَ : " ثمَّ ليتخير من الدُّعَاء أعجبه إِلَيْهِ " وَذَلِكَ لِأَن وَقت الْفَرَاغ من الصَّلَاة وَقت الدُّعَاء لِأَنَّهُ تغشى بغاشية عَظِيمَة من الرَّحْمَة وَحِينَئِذٍ يُسْتَجَاب الدُّعَاء . وَمن آدَاب الدُّعَاء تَقْدِيم الثَّنَاء على الله والتوسل بِنَبِي الله ، ليستجاب الدُّعَاء ، ثمَّ تقرر الْأَمر على ذَلِك ، وَجعل التَّشَهُّد ركنا لِأَن لَوْلَا هَذِه الْأُمُور لَكَانَ الْفَرَاغ من الصَّلَاة مثل فرَاغ المعرض أَو النادم ، وهنالك وُجُوه كَثِيرَة بَعْضهَا خَفِي المأخذ وَبَعضهَا ظَاهر لم نذكرها اكْتِفَاء بِمَا ذكرنَا . وَبِالْجُمْلَةِ من تَأمل فِيمَا ذكرنَا وَفِي الْقَوَاعِد الَّتِي أسلفناها علم قطعا أَن الصَّلَاة بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّة هِيَ الَّتِي يَنْبَغِي أَن تكون ، وأنما لَا تتَصَوَّر الْعقل أحسن مِنْهَا وَلَا أكمل ، وَأَنَّهَا هِيَ الْغَنِيمَة الْكُبْرَى للمغتنم . وَلما كَانَ الْقَلِيل من الصَّلَاة لَا يُفِيد فَائِدَة معتدا بهَا ، وَالْكثير جدا يعسر إِقَامَته اقْتَضَت حِكْمَة الله أَلا يشرع لَهُم أقل من رَكْعَتَيْنِ ، فالركعتان أقل الصَّلَاة ، وَلذَلِك قَالَ : " فِي كل رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّة " .