ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )

45

حجة الله البالغة

أَو يَقُول : أَن هَذِه الوقائع تتراءى لحس الرَّائِي ، وتتمثل لَهُ فِي بَصَره ، وَإِن لم تكن خَارج حسه ، وَقَالَ بنظير ذَلِك عبد الله بن مَسْعُود فِي قَوْله تَعَالَى : { يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين } . أَنهم أَصَابَهُم جَدب فَكَانَ أحدهم ينظر إِلَى السَّمَاء ، فَيرى كَهَيئَةِ الدُّخان من الْجُوع ، وَيذكر عَن ابْن الْمَاجشون أَن كل حَدِيث جَاءَ فِي التنقل والرؤية فِي الْمَحْشَر ، فَمَعْنَاه أَنه يُغير أبصار خلقه ، فيرونه نازلا متجليا ويناجي خلقه ، ويخاطبهم وَهُوَ غير متغير عَن عَظمته وَلَا منتقل ليعلموا أَن الله على كل شَيْء قدير ، أَو يَجْعَلهَا تمثيلا لتفهم معَان أُخْرَى ، وَلست أرى المقتصر على الثَّالِثَة من أهل الْحق ، وَقد صور الإِمَام الْغَزالِيّ فِي عَذَاب الْقَبْر تِلْكَ المقامات الثَّلَاث حِين قَالَ : أَمْثَال هَذِه الْأَخْبَار لَهَا ظواهر صَحِيحَة وأسرار خُفْيَة ، وَلكنهَا عِنْد أَرْبَاب البصائر وَاضِحَة ، فَمن لم ينْكَشف لَهُ حقائقها ، فَلَا يَنْبَغِي أَن يُنكر ظواهرها ، بل أقل دَرَجَات الْإِيمَان التَّسْلِيم والتصديق ( فَإِن قلت ) فَنحْن نشاهد الْكَافِر فِي قَبره مُدَّة ، ونراقبه ، وَلَا نشاهد شَيْئا من ذَلِك ، فَمَا وَجه التَّصْدِيق على خلاف الْمُشَاهدَة ( فَاعْلَم ) أَن لَك ثَلَاث مقامات فِي التَّصْدِيق بأمثال هَذَا : أَحدهَا وَهُوَ الْأَظْهر والأصلح والأسلم : أَن تصدق بِأَنَّهَا مَوْجُودَة ، وَهِي تلدغ الْمَيِّت ، وَلَكِنَّك لَا تشاهد ذَلِك فَإِن هَذِه الْعين لَا تصلح لمشاهدة الْأُمُور الملكوتية ، وكل مَا يتَعَلَّق فِي بِالآخِرَة فَهُوَ فِي علم الملكوت . . أما ترى الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم كَيفَ كَانُوا يُؤمنُونَ بنزول جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ، وَمَا كَانُوا يشاهدونه ، ويؤمنون بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام يُشَاهِدهُ ، فَإِن كنت لَا تؤمن بِهَذَا فتصحيح أصل الْإِيمَان بِالْمَلَائِكَةِ وَالْوَحي أهم عَلَيْك وَإِن كنت آمَنت بِهِ ، وجوزت أَن يُشَاهد النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَا تشاهده الْأمة ، فَكيف لَا تجوز هَذَا فِي الْمَيِّت ، وكما أَن الْملك لَا يشبه الْآدَمِيّين والحيوانات ، فالحياة والعقارب الَّتِي تلدغ فِي الْقَبْر لَيست من جنس حيات عالمنا ، بل هِيَ جنس آخر ، وتدرك بحاسة أُخْرَى . الْمقَام الثَّانِي : أَن تتذكر أَمر النَّائِم ، وَأَنه قد يرى فِي نَومه حَيَّة تلدغه ، وَهُوَ يتألم بذلك حَتَّى ترَاهُ رُبمَا يَصِيح ويعرق جَبينه ، وَقد ينزعج من مَكَانَهُ كل ذَلِك يُدْرِكهُ من نَفسه