ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )

41

حجة الله البالغة

المبحث الأول فِي أَسبَاب التَّكْلِيف والمجازاة ( بَاب الإبداع والخلق وَالتَّدْبِير ) اعْلَم أَن الله تَعَالَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِيجَاد الْعَالم ثَلَاث صِفَات مترتبة : أَحدهَا : الإبداع وَهُوَ إِيجَاد شَيْء لَا من شَيْء فَيخرج الشَّيْء من كتم الْعَدَم بِغَيْر مَادَّة : وَسُئِلَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن أول هَذَا الْأَمر ؟ فَقَالَ : كَانَ الله وَلم يكن شَيْء قبله . وَالثَّانيَِة : الْخلق وَهُوَ إِيجَاد الشَّيْء من شَيْء كَمَا خلق آدم من التُّرَاب : { وَخلق الجان من مارج من نَار } . وَقد دلّ الْعقل وَالنَّقْل على أَن الله تَعَالَى خلق الْعَالم أنواعا وأجناسا وَجعل لكل نوع وجنس خَواص ، فنوع الْإِنْسَان مثلا خاصته النُّطْق ، وَظُهُور الْبشرَة واستواء الْقَامَة ، وَفهم الْخطاب ، وَنَوع الْفرس خاصته الصهيل ، وَكَون بَشرته شعراء ، وقامته عوجاء ، وَألا يفهم الْخطاب ، وخاصة السم إهلاك الْإِنْسَان الَّذِي يتَنَاوَلهُ ، وخاصة الزنجبيل الْحَرَارَة واليبوسة ، وخاصة الكافور الْبُرُودَة ، وعَلى هَذَا الْقيَاس جَمِيع الْأَنْوَاع من الْمَعْدن والنبات وَالْحَيَوَان . وَجَرت عَادَة الله تَعَالَى أَلا تنفك الْخَواص عَمَّا جعلت خَواص لَهَا ، وَأَن تكون مشخصات الْأَفْرَاد خُصُوصا فِي تِلْكَ الْخَواص ، وتعينا لبَعض محتملاتها ، فَكَذَلِك مميزات الْأَنْوَاع خُصُوصا فِي خَواص أجناسها ، وَأَن تكون مَعَاني هَذِه الْأَسَامِي المترتبة فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص ، كالجسم والنامي وَالْحَيَوَان وَالْإِنْسَان وَهَذَا الشَّخْص متمازجة متشابكة فِي الظَّاهِر ، ثمَّ يدْرك الْعقل الْفرق بَينهَا ، ويضيف كل خَاصَّة إِلَى مَا هِيَ خَاصَّة لَهُ ،