الخطيب البغدادي

241

تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )

فقَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ دَخَلَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ وهو فِي مَدِينَتِهِ بِالأَنْبَارِ ، قَالَ إِسْحَاقُ : قَالَ أَبِي : وَكُنْتُ قَدْ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ أَيَّامًا لَمْ أَرْكَبْ إِلَيْهِ فِيهَا ، فَعَاتَبَنِي عَلَى تَخَلُّفِي كَانَ عَنْهُ ، فَأَعْلَمْتُهُ أَنِّي كُنْتُ أَصُومُ مُنْذُ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ ، فَقَبِلَ عُذْرِي ، وَقَالَ لِي : أَنَا فِي يَوْمِي هَذَا صَائِمٌ ، فَأَقِمْ عِنْدِي لِتَقْضِيَنِي فِيهِ بِمُحَادَثَتِكَ إِيَّايَ مَا فَاتَنِي من محادثتك فِي الأَيَّامِ الَّتِي تَخَلَّفْتَ عَنِّي فِيهَا ثُمَّ تَخْتِمُ ذَلِكَ بِإِفْطَارِكَ عِنْدِي ، فَأَعْلَمْتُهُ أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَأَقَمْتُ إِلَى أَنْ تَبَيَّنْتُ النُّعَاسَ فِي عَيْنَيْهِ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ ، فَنَهَضْتُ عَنْهُ وَاسْتَمَرَّ بِهِ النَّوْمُ ، فَميلت بَيْنَ الْقَائِلَةِ فِي دَارِهِ ، وَبَيْنَ الْقَائِلَةِ فِي دَارِي ، فَمَالَتْ نَفْسِي إِلَى الانْصِرَافِ إِلَى مَنْزِلِي لأقيلَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اعْتَدْتُ الْقَائِلَةَ فِيهِ ، فَصِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَقِلْتُ إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ ، ثُمَّ رَكِبْتُ إِلَى دَارِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَوَافَيْتُ إِلَى بَابِ الرَّحْبَةِ الْخَارِجِ ، فَإِذَا بِرَجُلٍ دَحْدَاحٍ حَسَنِ الْوَجْهِ مُؤْتَزِرٍ بِإِزَارٍ ، مُتَرَدٍّ بِآخَرَ ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ ، فقَالَ : هَنَّأَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ النِّعْمَةَ وَكُلّ نِعْمَةٍ ، الْبُشْرَى أَنَا وَافِدُ أَهْلِ السَّنَدِ ، أَتَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِين بِسَمْعِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ وَبَيْعَتِهِمْ ، فَمَا تَمَالَكْتُ سُرُورًا أَنْ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى تَوْفِيقِهِ إِياي لِلانْصِرَافِ رَغْبَةً فِي أَنْ أُبَشِّرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْبُشْرَى ، فَمَا تَوَ سَّطْتُ الرَّحْبَةَ حَتَّى وَافَى رَجُلٌ فِي مِثْلِ لَوْنِهِ وَهَيْئَتِهِ ، وَقَرِيبُ الصُّورَةِ مِنْ صُورَتِهِ ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ كَمَا سَلَّمَ عَلَيَّ الآخَرُ ، وَهَنَّأَنِي بِمِثْلِ تَهْنِئَتِهِ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ وَافِدُ أَهْلِ إِفْرِيقِيَةِ أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِسَمْعِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ ، فَتَضَاعَفَ سُرُورِي ، وَأَكْثَرْتُ مِنْ حَمْدِي عَلَى مَا وَفَّقَنِي لَهُ مِنَ الانْصِرَافِ ، ثُمَّ دَخَلْتُ الدَّارَ فَسَأَلْتُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ كَانَ يَتَهَيَّأُ فِيهِ لِلصَّلاةِ ، وَكَانَ يَكُونُ فِيهِ سِوَاكُهُ ، وَتَسْرِيحُ لِحْيَتِهِ ، فَدَخَلْتُ