الخطيب البغدادي

32

تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )

سمعت عَلِيّ بن الحسين بن عبد الأعلى الإسكافي يحدث ، قَالَ : كان أحمد بن الجنيد الإسكافي أخص الناس بجعفر بن يَحْيَى بن خالد البرمكي ، فكان الناس يقصدونه فِي حوائجهم إِلَى جعفر . قَالَ : وإن رقاع الناس كثرت فِي خف أحمد بن الجنيد ، فلم يزل كذلك إِلَى أن تهيأ له الخلوة بجعفر ، فَقَالَ له : يا جعلني الله فداك ، قد كثرت رقاع الناس معي ، وأشغالك كثيرة وأنت اليوم خال ، فإن رأيت أن تنظر فيهما ؟ فَقَالَ له جعفر : عَلَى أن تقيم عندي اليوم ، فَقَالَ له أحمد : نعم ! فصرف دوابه وأقام ، فلما تغدوا جاءه بالرقاع ، فَقَالَ له جعفر : هذا وقت ذا ؟ دعنا اليوم ، فأمسك عنه أحمد وانصرف فِي ذلك اليوم ، ولم ينظر فِي الرقاع ، فلما كان بعد أيام خلا به فأذكره الرقاع ، فَقَالَ : نعم ، عَلَى أن تقيم عندي اليوم . فأقام عنده ففعل به مثل الفعل الأول حتى فعل به ذلك ثلاثا ، فلما كان فِي آخر يوم أذكره ، فَقَالَ : دعني الساعة ، وناما ، فانتبه جعفر قبل أحمد ، فَقَالَ لخادم له : اذهب إِلَى خف أحمد بن الجنيد فجئني بكل رقعة فيه . وانظر لا يعلم أحمد . فذهب الغلام وجاء بالرقاع ، فوقع جعفر فيها عَنْ آخرها بخطه بما أحب أصحابها ، ووكد ذلك ، ثم أمر الخادم أن يردها فِي الخف ، فردها ، وانتبه أحمد وأخذوا فِي شأنهم ، ولم يقل له فيها شيئا وانصرف أحمد ، فركب يعلل أصحاب الرقاع بها أياما ، ثم قَالَ لكاتب له : ويحك هذه الرقاع قد أخلقت فِي خفي ، وهذا يعني جعفرا ليس ينظر فيها فخذها تصفحها وجدد ما أخلق منها ، فأخذها الكاتب ، فنظر فيها فوجد الرقاع موقعا فيها بما سأل أهلها وأكثر ، فتعجب من كرمه ونبل أخلاقه ومن أنه قد قضى حاجته ولم يعلمه بها لئلا يظن أنه اعتد بها عليه . أخبرني أَبُو الْقَاسِمِ الأزهري ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العباس الخزاز ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خلف بن المرزبان ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يعقوب النخعي ،