الخطيب البغدادي
130
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )
أو نحوها ، وهو جالس وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه فِي السن ، وبين يديه طبقة فضة فيه عنقود عنب فِي وقت فيه العنب عزيز جدا ، والصبي يأكل عنبة واحدة ، ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة عَلَى الدور ، حتى إذا بلغ الدور إليه أكل واحدة مثل ما أكلوا حتى فني العنقود والمعتضد يتميز غيظا ، قَالَ : فرجع ولم يدخل الدار ، ورأيته مهموما ، فقلت : يا مولاي ما سبب ما فعلته ؟ وما قد بان عليك ؟ فَقَالَ : يا صافي والله لولا النار والعار لقتلت هذا الصبي اليوم ، فإن فِي قتله صلاحا للأمة . فقلت : يا مولاي ، حاشاه أي شيء عمل ، أعيذك بالله ، يا مولاي العن إبليس . فَقَالَ : ويحك أنا أبصر بما أقوله ، أنا رجل قد سست الأمور ، وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد ولا بد من موتي ، وأعلم أن الناس بعدي لا يختارون غير ولدي ، وسيجلسون ابني عليا يعني المكتفي وما أظن عمره يطول للعلة التي به قَالَ صافي : يعني الخنازير التي كانت فِي حلقه فيتلف عَنْ قرب ولا يرى الناس أخرجها عَنْ ولدي ، ولا يجدون بعده أكبر من جَعْفَر ، فيجلسونه وهو صبي ، وله من الطبع فِي السخاء هذا الذي قد رأيت من أَنَّهُ أطعم الصبيان مثل ما أكل ، وساوى بينه وبينهم فِي شيء عزيز فِي العالم ، والشح عَلَى مثله فِي طباع الصبيان ، فيحتوي عليه النساء لقرب عهده بهن ، فيقسم ما جمعته من الأموال كما قسم العنب ويبذر ارتفاع الدنيا ويخربها ، فتضيع الثغور ، وتنتشر الأمور ، وتخرج الخوارج ، وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عَنْ بني الْعَبَّاس أصلا . فقلت : يا مولاي ، بل يبقيك اللَّه حتى ينشأ فِي حياة منك ، ويصير كهلا فِي أيامك ، ويتأدب بآدابك ، ويتخلق بخلقك ، ولا يكون هذا الذي ظننت ، فَقَالَ : احفظ عني ما أقوله ، فإنه كما قُلْتُ ، قَالَ : ومكث يومه مهموما ، وضرب الدهر ضربه ، ومات