الخطيب البغدادي

359

تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )

وكان إسحاق يظن أنه سبق إلى هذا المعنى حتى أنشد لأعرابي : قفي ودعينا يا مليح بنظرة فقد حان منا يا مليح رحيل أليس قليلا نظرة إن نظرتها إليك وكلا منك ليس قليل ، قال : فحلف إسحاق أنه ما كان سمعه . أخبرني الحسين بن علي الصيمري ، قال : حدثنا محمد بن عمران بن موسى الكاتب ، قال : أخبرني محمد بن يحيى ، قال : حدثني عون بن محمد الكندي ، أن محمد بن عطية العطوي الشاعر حدثه أنه كان عند يحيى بن أكثم في مجلس له يجتمع الناس فيه ، فوافى إسحاق بن إبراهيم الموصلي ، فأخذ يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم ، ثم تكلم في الفقه فأحسن وقاس واحتج ، وتكلم في الشعر واللغة ، ففاق من حضر فأقبل على يحيى ، فقال : أعز الله القاضي أفي شيء مما ناظرت فيه وحكيته نقص أو مطعن ؟ قال : لا ، قال : فما بالي أقوم بسائر هذه العلوم قيام أهلها ، وأنسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه ؟ قال العطوي : فالتفت إلي يحيى بن أكثم ، فقال : جوابه في هذا عليك ، قال : وكان العطوي من أهل الجدل . فقلت : نعم أعز الله القاضي ، الجواب علي ثم أقبلت على إسحاق ، فقلت : يا أبا محمد أنت كالفراء والأخفش في النحو ؟ قال : لا ، قلت : أفأنت في اللغة وعلم الشعر كالأصمعي وأبي عبيدة ؟ قال : لا ، قلت : أفأنت في الأنساب كالكلبي وأبي اليقظان ؟ قال : لا ، قلت : أفأنت في الكلام كأبي الهذيل والنظام ؟ قال : لا ، قلت : أفأنت في الفقه كالقاضي ؟ قال : لا ، قلت : أفأنت في قول الشعر كأبي العتاهية ، وأبي النواس ؟ قال : لا ، قلت : فمن هاهنا نسبت إلى ما نسبت إليه ؛ لأنه لا نظير لك فيه ولا شبيه ، وأنت في غيره دون رؤساء أهله ، فضحك وقام فانصرف ، فقال لي يحيى بن أكثم : لقد وفيت الحجة حقها ، وفيها ظلم قليل لإسحاق ، وإنه