ابن هشام الحميري

356

كتاب التيجان في ملوك حمير

وسيفه بين يديه وعن يمينه وشماله الملوك والمقاول وأبناء الملوك ، فسلم عبد المطلب ، ودنا وأستأذنه في الكلام . فقال له سيف : إن كنت ممن يتكلم بين أيدي الملوك فقد أذنا لك . فقال عبد المطلب : أيها الملك ، إن الله جل اسمه قد أحلك محلاً رفيعاً صعباً منيعاً شامخاً باذخاً وأنبتك منبتاً طابت أرومته وعزت جرثومته وثبت أصله وبسق فرعه في أكرم معدن وأطيب موطن . وأنت أيها الملك رأس العرب وربيعها الذي به تخصب وأنت عمودها الذي عليه عمادها ومعقلها الذي تلجأ إليه العباد ، سلفك لنا خير سلف وأنت لنا منهم خير خلف ولم يخمد ذكر من أنت سلفه ولن يهلك من أنت خلفه ، نحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته أشخصنا الذي أبهجنا إليك لكشف الكرب فنحن وفد التهنئة لا وفد الرزية . فقال سيف : أيهم المتكلم ؟ قال : أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف . قال : ابن أختنا ؟ قال : نعم أصلح الله الملك . قال : مرحباً وأهلاً وناقة ورحلا وملكاً ربحلا يعطي عطاء جزلاً قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم ، فأهل الليل والنهار ما أقمتم ولكم الحباء إذا ظعنتم ، ثم انهضوا إلى دار الضيافة وأجرى عليهم الإنزال وأقاموا لا يصلون إليه ولا بأذن لهم شهراً . ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأحضره وأدنى مجلسه ورفع قدره . ثم قال له : يا عبد المطلب إني مفوض إليك أمراً لو كان غيرك لم أبح له به ، وجدتك معدنه فأطلعتك عليه : إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون خيراً عظيماً وخطراً جسماً فيه شرف الحياة وفضيلة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة . فقال عبد المطلب : أيها الملك عز جدك وطال عمرك ودام ملكك ، فهل المملك مخبري بإيضاح ، فقد وضح لي بعض الإيضاح . فقال سيف : هذا حبه الذي يولد فيه أو قد ولد يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه وقد وجدناه مراراً