ابن هشام الحميري
245
كتاب التيجان في ملوك حمير
بما كان ، وأنشدته الشعر . ثم أتينا إلى ما حفرنا أولاً فقلعنا الحجر ، فإذا بشيخ يده مغلولة إلى عنقه بغل من حديد ، في هامته وتد من حديد حتى نفذ من دبره ، وأصبنا عند رأسه ورقه من ذهب مكتوب كتاباً لا نعرفه . فأخذنا الورقة ، وأعدنا البلاطة إلى موضعها وأهلنا التراب على البلاطة حتى رجعت كما كانت . ثم أتينا البلاطة الثانية ، فإذا تحتها عجوز مسودة الذوائب واضعة إحدى يديها على رأسها والأخرى على عورتها وإلى جانبها كتاب في لوح لا ندري ما هو ، فأخذنا اللوح وأعدنا البلاطة وأهلنا التراب عليها . ثم قلعنا البلاطة الثالثة ، فإذا تحتها سرب دقيق ضيق ، فدخلناه فأصبنا خابيتين مكشوفتين فيهما رجلان متقاربة أسنانهما متشابهان عليهما حلل مرصعة بالذهب ورأينا كتاباً على الجرتين لا نعرف ما هو ، وأصبنا مالاً كثيراً ذهباً وفضة وغير ذلك من الدر والياقوت ما لم ير مثله قط . فقال لي أبي : وثقنا بالله وبالغنى وحبور الدهر ، فقلت له : يا أبت وكيف الخلود مع الفناء لا خير فيما يفنى وأم مالنا في هذا قليل في حياة قصيرة ؟ فأوقرنا جملنا ثم أوقرنا نحن لنحمل فلم نقدر أن ننهض به ، فلم نزل ننقص منه ونريد النهوض فلم نستطع حتى أخذنا في أيدينا ياقوتة ودرة فلم نقدر نهوضاً بهما . فقال لي أبي : الق ما معك يا بني فقد أخذنا رزقنا ، فعلمنا أنا منعنا غير ما صار إلينا ، فقلت لهما : قد رأيتما ما كان وإياكم أن يعود أحد منا فيهلك ، وإن العبد أسر على مواليه الرجعة ، فأعتق أبي العبد وكثرت نعمنا ووهب للعبد مالاً جسيماً يتجر به ، وإن العبد أخذ لذلك الموضع ما يصلحه فأخذ معه عونين وسار لأنه يعرف علامات الموضع ، فلما نال من الغار توار عن عونيه ليقضي أربه وبات عوناه أرقين قد ذعرهما ما يريان من وحشة ذلك الموضع وهوله . فحدثني العونان قالا : سمعنا في جوف الليل حساً وذعراً وحركة شديدة من