عبد الرحمن السهيلي
101
نتائج الفكر في النحو
وقد قدمنا أن الألفاظ مشاكلة للمعاني التي هي أرواحها ، يتفرس العاقل فيها حقيقة المعنى بطبعه وحسه ، كما يتعرف الصادق للفراسة صفات الأرواح في الأجساد بنحيزة نفسه . فحرف " لا " : لام بعدها ألف ، يمتد بها الصوت ما لم يقطعه تضييق النفس ، فإذاً امتداد لفظها بامتداد معناها ، و " لن " بعكس ذلك ، فتأمله فإنه معنى لطيف ، وغرض شريف ، ألا ترى كيف جاء في القرآن البديع نظمه ، الفائق على كل العلوم علمه : ( وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا ) ، بحرف " لا " في الموضع الذي اقترن فيه حرف الشرط بالفعل فصار من صيغ العموم ، فانسحب على جميع الأزمنة ، وهو قوله - عز وجل - : ( إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ ) . كأنه يقول : متى ما زعموا ذلك لوقت من الأوقات أو زمن من الأزمان وقيل لهم : ( تَمَنَّوُا الْمَوْتَ ) فلا يتمنونه ، وحرف الشرط دل على هذا المعنى ، وحرف " لا " في الجواب بإزاء صيغة العموم ، لاتساع معنى النفي فيها . وقال في سورة البقرة : ( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ ) فقصر من سعة النفي وقرب ، لأن فوله تعالى في النظم : ( قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ) . وليست " إن " ها هنا مع " كان " من صيغ العموم ، لأن " كان " ليست بدالة على حدث ، وإنما هي داخلة على المبتدأ والخبر عبارة عن مضي في الزمان الذي ( كان ) فيه ذلك الحدث ، فكأنه يقول عز وجل إن كانت ( قد ) وجبت لكم الدار الآخرة وثبتث ( لكم ) في علم