زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري
30
فتح الباقي بشرح ألفية العراقي
المبحث الثَّالِث : التبصرة والتذكرة ، لماذا ؟ برز إلى ساحة التأليف تيار جديد في الشعر العربي يدعى " الشعر التعليمي " وَهُوَ نمط من أنماط الشعر يفتقر في معانيه إلى مادة الشعر الأصيلة من الصور والأحاسيس والأخيلة ؛ لذا فَهُوَ لا يملك من الشعر إلا اسمه والأوزان والقوافي وقواعد علم العروض ، غَيْر أنه في المقابل غني في الجوانب العلمية التي يتناولها ، ويمتاز بأن هدفه إيصال فكرة مكثفة بعبارة قصيرة . ولعل هذِهِ الميزات هِيَ التي دفعت بهذا النمط إلى أرض الوجود ، ومن ثَمَّ انتشاره عَلَى ميدان واسع في مجال العلوم ، وَهُوَ الغرض نَفْسه الذي دفع بالحافظ العراقي إلى نظم كِتَاب ابن الصَّلاح بهذه الأرجوزة ، تسهيلاً لطلاب هَذَا العِلْم في حفظ مباحثه والتعرف عَلَى مَا قِيلَ فِيْهَا . ولربما كَانَ هناك دافع آخر حدا بالحافظ العراقي لأنْ يضمن مباحث كِتَاب ابن الصَّلاح في أرجوزته ، هُوَ مَا وقع فِيهِ ابن الصَّلاح من وهم نتيجة تقليده للحاكم أبي عَبْد الله ، وما كَانَ لَهُ من استدراكات عَلَى ابن الصَّلاح كمَّلت جوانب المواضيع ، ثُمَّ الجواب عَنِ الاعتراضات التي وجهها بعضهم لابن الصَّلاح ، لا سيَّما أن الحافظ العراقي سبق لَهُ أن كتب نكتاً عَلَى كِتَاب ابن الصَّلاح وَهِيَ المشهورة باسم " التقييد والإيضاح " ؛ لذا إننا نجد غالب المادة العلمية التي أضافها عَلَى ابن الصَّلاح قَدْ ضمَّنها أرجوزته ، فهي حلقة في سبيل تكميل عرض لمباحث هَذَا العِلْم ، خالياً - عَلَى قدر الطاقة - من الإخلال والنقص . المبحث الرابع : اهتمام العُلَمَاء بِهَا نظراً لما تمتعت به ألفية العراقي من جزالة الأسلوب ، وثراء المعاني ، وسلاسة الألفاظ ، وترتيب الأفكار والموضوعات ، فقد أصبحت ديدن طلاب هذا العلم والمشتغلين فيه ، لا سيما وقد كان وكْدُ الناظم الأول تلخيص كتابٍ هو العمدة في هذا الباب ، ألا وهو كتاب ابن الصلاح . فلم يكن بدعاً من الأمر أن يتوالى عليها الشراح ، ويضعون عصارة أفكارهم ، درراً نفيسة تحلي جيدَ الألفية ، وتلبسها ثوباً قشيباً تقرُّ به عين ناظمها ، ومن ثمَّ عيون