النووي

87

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين ( تحقيق الفحل )

25 - باب الأمر بأداء الأمانة قَالَ الله تَعَالَى : { إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } [ النساء : 58 ] ، وَقالَ تَعَالَى : { إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } [ الأحزاب : 72 ] . 199 - وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه : أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : « آيةُ ( 1 ) المُنافقِ ثلاثٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعدَ أخْلَفَ ( 2 ) ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ » . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ . ( 3 ) وفي رواية ( 4 ) : « وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ » . 200 - وعن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قَالَ : حدثنا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - حدِيثَينِ قَدْ رأيْتُ أحَدَهُمَا وأنا أنتظرُ الآخر : حدثنا أن الأمانة نَزلت في جَذرِ قلوبِ الرجال ، ثُمَّ نزل القرآن فعلموا مِنَ القرآن ، وعلِموا من السنةِ ، ثُمَّ حدّثنا عن رفع الأمانة ، فَقَالَ : « يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبهِ ، فَيَظَلُّ أثَرُهَا مِثلَ الوَكْتِ ، ثُمَّ يَنَامُ النَّومَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبهِ ، فَيَظَلُّ أثَرُهَا مِثلَ أَثَرِ المَجْلِ ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ ، فَتَرَاهُ مُنْتَبرًا وَلَيسَ فِيهِ شَيءٌ » . ثُمَّ أخَذَ حَصَاةً فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ « فَيُصْبحُ النَّاسُ يَتَبَايعُونَ ، فَلا يَكَادُ أحدٌ يُؤَدّي الأَمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ : إنَّ في بَني فُلان رَجُلًا أمينًا ، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ : مَا أجْلَدَهُ ! مَا أَظْرَفَهُ ! مَا أعْقَلَهُ ! وَمَا في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّة مِن خَرْدَل مِنْ إيمَان » . وَلَقدْ أتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أيُّكُمْ بَايَعْتُ : لَئن كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عليَّ دِينهُ ، وَإنْ كَانَ نَصْرانِيًّا أَوْ يَهُودِيًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ ، وَأَمَّا اليَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايعُ مِنْكُمْ إلاَّ فُلانًا وَفُلانًا ( 1 ) » . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ . ( 2 ) - [ 88 ] - قوله : « جَذْرُ » بفتح الجيم وإسكان الذال المعجمة : وَهُوَ أصل الشيء وَ « الوكت » بالتاء المثناة من فوق : الأثر اليسير . وَ « المَجْلُ » بفتح الميم وإسكان الجيم : وَهُوَ تَنَفُّطٌ في اليدِ ونحوها من أثرِ عمل وغيرِهِ . قوله : « مُنْتَبرًا » : مرتفِعًا . قوله : « ساعِيهِ » : الوالي عَلَيهِ .

--> ( 1 ) أي علامته . ( 2 ) أي جعل الوعد خلافًا بأن لا يفي به ، لكن لو كان عازمًا على الوفاء فعرض مانع فلا إثم عليه . فيض القدير 1 / 83 . ( 3 ) أخرجه : البخاري 1 / 15 ( 33 ) ، ومسلم 1 / 56 ( 59 ) ( 107 ) و ( 109 ) . ( 4 ) عند مسلم . ( 1 ) قال النووي في شرح صحيح مسلم 1 / 362 ( 143 ) : « معنى الحديث أن الأمانة تزول عن القلوب شيئًا فشيئًا ، فإذا زال أول جزء منها زال نورها وخلفته ظلمة كالوكت وهو اعتراض . . . لون مخالف للون الذي قبله ، فإذا زال شيء آخر صار كالمجل وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة ، وهذه الظلمة فوق التي قبلها ، ثم شبه زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه ، واعتقاب الظلمة إياه بجمر يدحرجه على رجله حتى يؤثر فيها ثم يزول الجمر ويبقى التنفط . والمبايعة هنا البيع والشراء ، فإذا كان مسلمًا فدينه وأمانته تمنعه من الخيانة وتحمله على أداء الأمانة ، وإن كان كافرًا فساعيه وهو الوالي عليه كان أيضًا يقوم بالأمانة في ولايته فيستخرج حقي منه » . ( 2 ) أخرجه : البخاري 8 / 129 ( 6497 ) ، ومسلم 1 / 88 ( 143 ) ( 230 ) .