النووي
6
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين ( تحقيق الفحل )
ولقد أَحْسَنَ القَائِلُ ( 1 ) : إِنَّ للهِ عِبَادًا فُطَنَا . . . طَلَّقُوا الدُّنْيَا وخَافُوا الفِتَنَا نَظَروا فيهَا فَلَمَّا عَلِمُوا . . . أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيٍّ وَطَنَا جَعَلُوها لُجَّةً واتَّخَذُوا . . . صَالِحَ الأَعمالِ فيها سُفُنا فإذا كَانَ حالُها ما وصَفْتُهُ ، وحالُنَا وَمَا خُلِقْنَا لَهُ مَا قَدَّمْتُهُ ؛ فَحَقٌّ عَلَى الْمُكلَّفِ أَنْ يَذْهَبَ بنفسِهِ مَذْهَبَ الأَخْيارِ ، وَيَسلُكَ مَسْلَكَ أُولي النُّهَى وَالأَبْصَارِ ، وَيَتَأهَّبَ لِمَا أشَرْتُ إليهِ ، وَيَهْتَمَّ لِمَا نَبَّهتُ عليهِ . وأَصْوَبُ طريقٍ لهُ في ذَلِكَ ، وَأَرشَدُ مَا يَسْلُكُهُ مِنَ المسَالِكِ ، التَّأَدُّبُ بمَا صَحَّ عَنْ نَبِيِّنَا سَيِّدِ الأَوَّلينَ والآخرينَ ، وَأَكْرَمِ السَّابقينَ والَّلاحِقينَ ، صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيهِ وَعَلى سَائِرِ النَّبيِّينَ . وقدْ قالَ اللهُ تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } [ المائدة : 2 ] وقد صَحَّ عَنْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قالَ : « واللهُ في عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ » ( 2 ) ، وَأَنَّهُ قالَ : « مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أجْرِ فَاعِلِهِ » ( 3 ) وأَنَّهُ قالَ : « مَنْ دَعَا إِلى هُدىً كَانَ لَهُ مِنَ الأَجرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيئًا » ( 4 ) وأَنَّهُ قالَ لِعَليٍّ - رضي الله عنه : « فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِي اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ ( 5 ) النَّعَمِ » ( 6 ) فَرَأَيتُ أَنْ أَجْمَعَ مُخْتَصَرًا منَ الأحاديثِ الصَّحيحَةِ ، مشْتَمِلًا عَلَى مَا يكُونُ طَرِيقًا لِصَاحبهِ إِلى الآخِرَةِ ، ومُحَصِّلًا لآدَابِهِ البَاطِنَةِ وَالظَاهِرَةِ . جَامِعًا للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السالكين : من أحاديث الزهد ورياضات النُّفُوسِ ، وتَهْذِيبِ الأَخْلاقِ ، وطَهَارَاتِ القُلوبِ وَعِلاجِهَا ، وصِيانَةِ الجَوَارحِ وَإِزَالَةِ
--> ( 1 ) القائل هو الإمام الشافعي ، والأبيات على بحر الرمل . وقد ضمّنها الأمير الصنعاني وهو من شعراء العصر العثماني في قصيدة له وقبلها قوله : فاستمع ما قاله من قبلنا . . . يصف الصوفي وصفًا بينا ( 2 ) أخرجه : مسلم 8 / 71 ( 2699 ) ( 38 ) من حديث أبي هريرة . ( 3 ) أخرجه : مسلم 6 / 41 ( 1893 ) من حديث عقبة بن عمرو أبي مسعود الأنصاري . ( 4 ) أخرجه : مسلم 8 / 62 ( 2674 ) من حديث أبي هريرة . ( 5 ) قال النووي في " شرح صحيح مسلم " 8 / 158 ( 2406 ) : « هي الإبل الحمر ، وهي أنفس أموال العرب » . ( 6 ) أخرجه : البخاري 4 / 57 ( 2942 ) ، ومسلم 7 / 121 ( 2406 ) ( 34 ) من حديث سهل بن سعد .