النووي
38
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين ( تحقيق الفحل )
5 - باب المراقبة قَالَ الله تَعَالَى : { الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } [ الشعراء : 219 - 220 ] ، وَقالَ تَعَالَى : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم } ( 3 ) [ الحديد : 4 ] ، وَقالَ تَعَالَى : { إِنَّ اللهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ } [ آل عمران : 6 ] ، وَقالَ تَعَالَى : { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } [ الفجر : 14 ] ، وَقالَ تَعَالَى : { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } [ غافر : 19 ] وَالآيات في البابِ كثيرة معلومة . 60 - وأما الأحاديث ، فالأول : عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قَالَ : بَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَومٍ ، إذْ طَلَعَ عَلَينا رَجُلٌ شَديدُ بَياضِ الثِّيابِ ، شَديدُ سَوَادِ الشَّعْرِ ، لا يُرَى عَلَيهِ أثَرُ السَّفَرِ ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أحَدٌ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيهِ إِلَى رُكْبتَيهِ ، وَوَضعَ كَفَّيهِ عَلَى فَخِذَيهِ ( 1 ) ، وَقالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أخْبرني عَنِ الإسلامِ ، فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم : « الإسلامُ : أَنْ تَشْهدَ أَنْ لا إلهَ إلاَّ الله ( 2 ) وأنَّ مُحمَّدًا رسولُ الله ، وتُقيمَ الصَّلاةَ ، وَتُؤتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصومَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ البَيتَ إن اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبيلًا » . قَالَ : صَدَقْتَ . فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقهُ ! قَالَ : فَأَخْبرنِي عَنِ الإِيمَانِ . قَالَ : « أنْ تُؤمِنَ باللهِ ، وَمَلائِكَتِهِ ، وَكُتُبهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَاليَوْمِ الآخِر ، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ » . قَالَ : صَدقت . قَالَ : فأَخْبرني عَنِ الإحْسَانِ . قَالَ : « أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ ، فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ » . قَالَ : فَأَخْبِرنِي عَنِ السَّاعَةِ . قَالَ : « مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ » . قَالَ : فأخبِرني عَنْ أَمَاراتِهَا . قَالَ : « أنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا ، وأنْ تَرَى - [ 39 ] - الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ في البُنْيَانِ » . ثُمَّ انْطَلقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ، ثُمَّ قَالَ : « يَا عُمَرُ ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ ؟ » قُلْتُ : اللهُ ورسُولُهُ أعْلَمُ . قَالَ : « فإِنَّهُ جِبْريلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينكُمْ » ( 3 ) . رواه مسلم . ( 4 ) ومعنى « تَلِدُ الأَمَةُ رَبَّتَهَا » أيْ سَيِّدَتَهَا ؛ ومعناهُ : أَنْ تَكْثُرَ السَّراري حَتَّى تَلِدَ الأَمَةُ السُّرِّيَّةُ بِنْتًا لِسَيِّدِهَا وبنْتُ السَّيِّدِ في مَعنَى السَّيِّدِ وَقيلَ غَيْرُ ذلِكَ . وَ « العَالَةُ » : الفُقَراءُ . وقولُهُ : « مَلِيًّا » أَيْ زَمَنًا طَويلًا وَكانَ ذلِكَ ثَلاثًا .
--> ( 3 ) قال الطبري في تفسيره 22 / 387 : « وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم ، ويعلم أعمالكم ومتقلبكم ومثواكم ، وهو على عرشه فوق سماواته السبع » . ( 1 ) قال العلماء : وضع كفيه على فخذي نفسه لا على فخذي النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك من كمال الأدب في جلسة المتعلم أمام المعلم ، بأن يجلس بأدب ، واستعداد لما يسمع مما يقال من الحديث . شرح رياض الصالحين لابن عثيمين 1 / 182 . ( 2 ) أي : لا معبود بحق إلا الله . ( 3 ) فيه أنه ينبغي للعالم والمفتي وغيرهما إذا سئل عما لا يعلم أن يقول : لا أعلم . وليس فيه دليل على إباحة بيع أمهات الأولاد ، ولا منع بيعهن ، وفيه أن أهل الحاجة والفقر تبسط لهم الدنيا حتى يتباهون في البنيان ، وفيه أن الإيمان والإسلام والإحسان تسمى كلها دينًا . وأن هذا الحديث يجمع أنواعًا من العلوم والمعارف والآداب واللطائف بل هو أصل الإسلام . شرح صحيح مسلم للنووي 1 / 148 . ( 4 ) أخرجه : مسلم 1 / 28 ( 8 ) ( 1 ) .