النووي

91

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاصِّ . وَذَكَرَ فِيمَا إِذَا شَهِدَ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ شَاهِدَانِ ، ثُمَّ عَادَ أَحَدُهُمَا ، وَقَالَ : قَضَاهُ أَوْ أَبْرَأَهُ بَعْدَ أَنْ شَهِدْتُ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تَبْطُلُ ، بَلْ يُحْكَمُ بِالدَّيْنِ وَيُؤْخَذُ ، إِلَّا أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ شَاهِدِ الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ . وَالْفَرْقُ أَنَّ هُنَاكَ شَهِدَ عَلَى نَفْسِ الْحَقِّ ، وَالْقَضَاءُ وَالْإِبْرَاءُ يُنَافِيَانِهِ ، فَبَطَلَتِ الشَّهَادَةُ ، وَهُنَا شَهِدَ عَلَى الْإِقْرَارِ ، وَالْقَضَاءُ وَالْإِبْرَاءُ لَا يُنَافِيَانِهِ ، فَلَا تَبْطُلُ الشَّهَادَةُ . وَحُكِيَ وَجْهٌ أَنَّ شَهَادَتَهُ عَلَى نَفْسِ الْحَقِّ لَا تَبْطُلُ أَيْضًا ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ ، الْخِلَافُ فِيمَا لَوِ ادَّعَى أَلْفًا ، وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ مُؤَجَّلٍ ، لَكِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا : قَضَى مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ ، فَفِي وَجْهٍ : لَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُمَا إِلَّا فِي خَمْسِمِائَةٍ ، لَكِنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ لِبَاقِي الْأَلْفِ مَعَ الشَّاهِدِ الْآخَرِ . وَفِي وَجْهٍ : تَصِحُّ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الْأَلْفِ ، وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ الْقَضَاءِ . وَفِي وَجْهٍ ثَالِثٍ : لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى مَا ادَّعَاهُ ، وَيَقْرُبْ مِنْهُ قَوْلَانِ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ فِيمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ فَلَانًا وَكَّلَ فُلَانًا ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا : عَزَلَهُ بَعْدَ أَنْ شَهِدْتُ ، فَفِي قَوْلٍ : تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ . وَفِي قَوْلٍ : تَثْبُتُ شَهَادَةُ الْوَكَالَةِ ، فَيُعْمَلُ بِهَا ، وَالْعَزْلُ لَا يَثْبُتُ بِوَاحِدٍ . ادَّعَى شَرِيكَانِ فَأَكْثَرُ حَقًّا عَلَى رَجُلٍ فَأَنْكَرَ ، يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا ، فَإِنْ رَضِيَ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ ، فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ . قُلْتُ : الْأَصَحُّ : الْمَنْعُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ غَانِمٍ ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِعِتْقِهِ ، ثُمَّ رَجَعَا عَنِ الشَّهَادَةِ ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ ، وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ إِلَّا الثُّلُثَ ، قَالَ الْبَغَوِيُّ : يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِلْأَوَّلِ رَقَّ الثَّانِي ، وَيُغَرَّمُ الرَّاجِعَانِ قِيمَةَ