النووي
65
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
غَصَبَهَا مِنْهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّ مَنْ فِي يَدِهِ أَقَرَّ بِهَا لَهُ ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا ، فَثَبَتَ الْمِلْكُ وَالْغَصْبُ بِالْبَيِّنَةِ الْأُولَى ، وَيَلْغُو إِقْرَارُ الْغَاصِبِ لِغَيْرِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ . فَصْلٌ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي لَا تُوجِبُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهُ ، وَلَكِنَّهَا تُظْهِرُهُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمِلْكُ سَابِقًا عَلَى إِقَامَتِهَا ، لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ السَّبْقُ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ ، يَكْفِي لِصِدْقِ الشُّهُودِ لَحْظَةٌ لَطِيفَةٌ ، وَلَا يُقَدَّرُ مَا لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ ، فَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِمِلْكِ دَابَّةٍ أَوْ شَجَرَةٍ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ النِّتَاجَ وَالثَّمَرَةَ الْحَاصِلَيْنِ قَبْلَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ ، وَالثَّمَرَةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ تَبْقَى لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَفِي الْحَمْلِ الْمَوْجُودِ عِنْدَ إِقَامَتِهَا وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا : يَسْتَحِقُّهُ الْمُدَّعِي تَبَعًا لِلْأُمِّ ، كَمَا فِي الْعُقُودِ ، وَالثَّانِي : لَا ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ لِغَيْرِ مَالِكِ الْأُمِّ بِوَصِيَّةٍ . وَمُقْتَضَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا ، فَادَّعَاهُ مُدَّعٍ ، وَأَخَذَهُ مِنْهُ بِحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ لَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ ، لِاحْتِمَالِ انْتِقَالِ الْمِلْكِ مِنَ الْمُشْتَرِي إِلَى الْمُدَّعِي ، وَتَكُونُ الْمُبَايَعَةُ صَحِيحَةً مُصَادِفَةً مَحَلَّهَا ، لَكِنِ الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ ثُبُوتُ الرُّجُوعِ ، بَلْ لَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي أَوْ وَهَبَ ، وَانْتَزَعَ الْمَالَ مِنَ الْمُتَّهِبِ أَوِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ ، كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الرُّجُوعُ أَيْضًا ، وَسَبَبُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي عُهْدَةِ الْعُقُودِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا مُعَامَلَةَ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَالْمُدَّعِي ، وَلَا انْتِقَالَ مِنْهُ ، فَيُسْتَدَامُ الْمِلْكُ الْمَشْهُودُ بِهِ إِلَى مَا قَبْلَ الشِّرَاءِ ، وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ إِذَا كَانَ دَعْوَى الْمُدَّعِي مِلْكًا سَابِقًا وَفَاءً بِالْأَصْلِ الْمَذْكُورِ ، وَحُمِلَ مَا أَطْلَقَهُ