النووي

46

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

وَهَلْ يَجِبُ الْحَقُّ بِفَرَاغِ الْمُدَّعِي مِنَ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِالْحَقِّ ؟ وَجْهَانِ ، حَكَاهُمَا الْهَرَوِيُّ ، الْأَرْجَحُ الْأَوَّلُ ، أَمَّا إِذَا امْتَنَعَ الْمُدَّعِي مِنَ الْحَلِفِ ، فَيَسْأَلُهُ الْقَاضِي عَنِ امْتِنَاعِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّلْ بِشَيْءٍ أَوْ قَالَ : لَا أُرِيدُ الْحَلِفَ ، فَهَذَا نُكُولٌ يُسْقِطُ حَقَّهُ مِنَ الْيَمِينِ ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْخَصْمِ وَمُلَازَمَتُهُ ، وَهَلْ يَتَمَكَّنُ مِنِ اسْتِئْنَافِ الدَّعْوَى ، وَتَحْلِيفِهِ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي ، أَمْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا يَنْفَعُهُ بَعْدَهُ إِلَّا الْبَيِّنَةُ ؟ وَجْهَانِ ، الَّذِي ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ ، وَالْهَرَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ الْأَوَّلُ ، وَبِالثَّانِي قَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ ، وَهُوَ أَحْسَنُ وَأَصَحُّ ، لِئَلَّا تَتَكَرَّرَ دَعْوَاهُ فِي الْقَضِيَّةِ الْوَاحِدَةِ ، وَإِنْ ذَكَرَ الْمُدَّعِي لِامْتِنَاعِهِ سَبَبًا ، فَقَالَ : أُرِيدُ أَنْ آتِيَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ أَسْأَلَ الْفُقَهَاءَ ، أَوْ أَنْظُرَ فِي الْحِسَابِ ، تُرِكَ وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ مِنَ الْيَمِينِ وَهَلْ تُقَدَّرُ مُدَّةُ الْإِمْهَالِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ؟ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ ، لِئَلَّا تَطُولَ مُدَافَعَتُهُ ، وَالثَّانِي : لَا تَقْدِيرَ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ ، فَلَهُ تَأْخِيرُهُ إِلَى أَنْ يَشَاءَ كَالْبَيِّنَةِ . وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَا إِذَا امْتَنَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنَ الْيَمِينِ أَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ سَبَبِ امْتِنَاعِهِ ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ : قِيَاسُ مَا ذَكَرَهُ فِي امْتِنَاعِ الْمُدَّعِي أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ سَبَبِ امْتِنَاعِهِ أَيْضًا ، وَامْتَنَعَ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ مِنْ هَذَا الْإِلْحَاقِ فَارِقِينَ بِأَنَّ امْتِنَاعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَثْبَتَ لِلْمُدَّعِي حَقَّ الْحَلِفِ ، وَالْحُكْمَ بِيَمِينِهِ ، فَلَا يُؤَخِّرُ حَقَّهُ بِالسُّؤَالِ ، وَامْتِنَاعُ الْمُدَّعِي لَا يُثْبِتُ حَقًّا لِغَيْرِهِ ، فَلَا يَضُرُّ السُّؤَالُ . وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَ اسْتُحْلِفَ : أَمْهِلُونِي لِأَنْظُرَ فِي الْحِسَابِ ، أَوْ أَسْأَلَ الْفُقَهَاءَ ، فَهَلْ يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَمْ لَا يُمْهَلُ شَيْئًا إِلَّا بِرِضَا الْمُدَّعِي ؟ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِقْرَارِ ، أَوِ الْيَمِينِ بِخِلَافِ الْمُدَّعِي ، فَإِنَّهُ مُخْتَارٌ فِي طَلَبِ حَقِّهِ وَتَأْخِيرِهِ ، وَلَوِ اسْتَمْهَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ