النووي

28

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

قُلْتُ : هَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ كَالْبَيِّنَةِ فِي حَقِّ الْمُتَنَازِعَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا ، وَكَذَا نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ ، تَحْرِيرُ الْمَذْهَبِ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِنْ أَثْبَتَ الْمُدَّعِي الِاسْتِحْقَاقَ بِالْبَيِّنَةِ ، وَأَخَذَ الْمَالَ ، نُظِرَ إِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِي مُنَازَعَتِهِ لِلْمُدَّعِي بِأَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لِبَائِعِي ، وَلَا بِأَنَّهُ مِلْكِي بِأَنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ - وَهُوَ سَاكِتٌّ - فَلَهُ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ قَطْعًا ، وَإِنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ، فَوَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : لَا يَرْجِعُ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ ظَالِمٌ بِاعْتِرَافِهِ ، وَأَصَحُّهُمَا الرُّجُوعُ مَهْمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْخُصُومَةِ ، أَوِ اعْتَمَدَ ظَاهِرَ الْيَدِ ، ثُمَّ بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ قَالَ فِي الِابْتِدَاءِ : بِعْنِي هَذِهِ الدَّارَ ، فَإِنَّهَا مِلْكُكَ ، ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالِاسْتِحْقَاقِ ، وَلَا يَجْرِيَانِ فِيمَا لَوْ كَانَ الْمَوْجُودُ مُجَرَّدَ الشِّرَاءِ ، وَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ إِقْرَارًا لِلْبَائِعِ بِالْمِلْكِ ، وَفَرَّقُوا بِأَنَّ ذَلِكَ إِقْرَارٌ تَضَمَّنَهُ الشِّرَاءُ ، فَبَطَلَ بِبُطْلَانِ الْمُبَايَعَةِ ، وَالْإِقْرَارُ الْمُسْتَقِلُّ بِخِلَافِهِ وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فِي الظَّاهِرِ ، فَقَالَ : أَنَا حُرُّ الْأَصْلِ ، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ ، وَأَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى رِقِّهِ ، أَوْ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالرِّقِّ لَهُ ، أَوْ لِلَّذِي بَاعَهُ إِيَّاهُ ، فَإِذَا حَلَفَ حَكَمَ بِحُرِّيَّتِهِ فِي الظَّاهِرِ ، ثُمَّ أَطْلَقَ ابْنُ الْحَدَّادِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ ، وَفَصَّلَ أَكْثَرُهُمْ ، فَقَالُوا : إِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِي مُنَازَعَتِهِ بِأَنَّهُ رَقِيقٌ رَجَعَ ، وَإِنْ صَرَّحَ ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ . فُرُوعٌ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي سَعْدٍ الْهَرَوِيِّ : أَقَرَّ الْمُشْتَرِي لِلْمُدَّعِي بِالْمِلْكِ ، ثُمَّ أَرَادَ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ لِلْمُدَّعِي ، لِيَرْجِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ ، لَمْ يُمَكَّنْ ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الْمِلْكَ لِغَيْرِهِ بِلَا وَكَالَةٍ وَلَا نِيَابَةٍ ، كَيْفَ وَالْمُدَّعِي لَوْ أَرَادَ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنِ الْبَيِّنَةِ