النووي

78

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

قُلْتُ : قَالَ الْبَغَوِيُّ : لَوْ كَانَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ مُرْتَدًّا وَالْآخَرُ كَافِرًا أَصْلِيًّا ، فَإِنْ قُلْنَا : إِذَا كَانَا مُرْتَدَّيْنِ يَكُونُ الْوَلَدُ مُسْلِمًا ، كَانَ هُنَا مُسْلِمًا أَيْضًا ، وَإِنْ قُلْنَا : يَكُونُ هُنَاكَ مُرْتَدًّا أَوْ كَافِرًا أَصْلِيًّا ، كَانَ هُنَا كَافِرًا أَصْلِيًّا ، يُقِرُّ بِالْجِزْيَةِ إِنْ كَانَ الْأَصْلِيُّ مِمَّنْ يُقَرِّبُهَا ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مَجُوسِيًّا وَالْآخَرُ وَثَنِيًّا ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلِيُّ كِتَابِيًّا ، كَانَ الْوَلَدُ كِتَابِيًّا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَرْعٌ الذِّمِّيُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ إِذَا نَقَضَ الْعَهْدَ ، وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، وَتَرَكَ وَلَدَهُ عِنْدَنَا ، لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ ، فَإِذَا بَلَغَ وَقَبِلَ الْجِزْيَةَ فَذَاكَ ، وَإِلَّا فَلَا يُجْبَرُ وَيُلْحَقُ بِالْمَأْمَنِ ، وَفِي وَجْهٍ : يُسْتَرَقُّ وَلَدُهُ بِلُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ ، وَفِي وَجْهٍ : إِنْ هَلَكَ هُنَاكَ ، أَوِ اسْتُرِقَّ ، اسْتُرِقَّ وَلَدُهُ . فَصْلٌ وَأَمَّا مَالُهُ ، فَهَلْ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ ، أَحَدُهَا : نَعَمْ لِزَوَالِ عِصْمَةِ الْإِسْلَامِ ، وَقِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ ، وَالثَّانِي : لَا ، كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ ، وَأَظْهَرُهَا : مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا ، بَانَ زَوَالُهُ بِالرِّدَّةِ ، وَإِنْ أَسْلَمَ ، بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ ; لِأَنَّ بُطْلَانَ أَعْمَالِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَوْتِهِ مُرْتَدًّا ، فَكَذَا مِلْكُهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِاسْتِمْرَارِ مِلْكِهِ ، وَجُعِلَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَصِيرُ بِالرِّدَّةِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ ، وَالْخِلَافُ فِي زَوَالِ الْمِلْكِ يَجْرِي فِي ابْتِدَاءِ التَّمَلُّكِ إِذَا اصْطَادَ أَوِ احْتَطَبَ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَزُولُ ، قَالَ الْإِمَامُ : ظَاهِرُ الْقِيَاسِ أَنَّهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِأَهْلِ الْفَيْءِ فِيمَا اصْطَادَ وَاحْتَطَبَ ، كَمَا يَحْصُلُ مِلْكُ السَّيِّدِ فِيمَا احْتَطَبَ الْعَبْدُ ، قَالَ : وَلْيَكُنْ شِرَاؤُهُ وَاتِّهَابُهُ ، كَشِرَاءِ الْعَبْدِ وَاتِّهَابِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ ، حَتَّى يَجِيءَ الْخِلَافُ ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى الْإِبَاحَةِ كَمَا إِذَا اصْطَادَ الْمُحْرِمُ لَا يَمْلِكُهُ ، وَيَبْقَى الصَّيْدُ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، وَإِنْ قُلْنَا : يَبْقَى مِلْكُ الْمُرْتَدِّ فِيمَا احْتَطَبَهُ ، أَوِ اصْطَادَهُ