النووي
70
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
اجْلِسْ إِلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ ، كَفَرَ ، وَقَدْ حَكَيْنَا نَظِيرَهُ عَنِ الْمُتَوَلِّي ، قَالُوا : وَلَوْ قَالَ لِعَدُوِّهِ : لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ أُؤْمِنْ بِهِ ، أَوْ قَالَ : لَمْ يَكُنْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ ، كَفَرَ ، قَالُوا : وَلَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ : مَا الْإِيمَانُ ، فَقَالَ : لَا أَدْرِي ، كَفَرَ ، أَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، كَفَرَ ، وَهَذِهِ الصُّوَرُ تَتَبَّعُوا فِيهَا الْأَلْفَاظَ الْوَاقِعَةَ فِي كَلَامِ النَّاسِ وَأَجَابُوا فِيهَا اتِّفَاقًا أَوِ اخْتِلَافًا بِمَا ذُكِرَ ، وَمَذْهَبُنَا يَقْتَضِي مُوَافَقَتَهُمْ فِي بَعْضِهَا ، وَفِي بَعْضِهَا يُشْتَرَطُ وُقُوعُ اللَّفْظِ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِهْزَاءِ . قُلْتُ : قَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَوِ الْفَضْلُ عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي آخِرِ كِتَابِهِ الشِّفَاءِ بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ نَبِيِّنَا الْمُصْطَفَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ جُمْلَةً فِي الْأَلْفَاظِ الْمُكَفِّرَةِ غَيْرَ مَا سَبَقَ ، نَقَلَهَا عَنِ الْأَئِمَّةِ ، أَكْثَرُهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَصَرَّحَ بِنَقْلِ الْإِجْمَاعِ فِيهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَمِنْهَا : أَنَّ مَرِيضًا شُفِيَ ثُمَّ قَالَ : لَقِيتُ فِي مَرَضِي هَذَا مَا لَوْ قَتَلْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمْ أَسْتَوْجِبْهُ ، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : يَكْفُرُ وَيُقْتَلُ ; لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ النِّسْبَةَ إِلَى الْجَوْرِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ وَيُسْتَتَابُ وَيُعَزَّرُ ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْوَدَ ، أَوْ تُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِيَ ، أَوْ قَالَ : لَيْسَ هُوَ بِقُرَشِيٍّ ، فَهُوَ كُفْرٌ ; لِأَنَّ وَصْفَهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ نَفْيٌ لَهُ وَتَكْذِيبٌ بِهِ ، وَأَنَّ مَنِ ادَّعَى أَنَّ النُّبُوَّةَ مُكْتَسَبَةٌ ، أَوْ أَنَّهُ يَبْلُغُ بِصَفَاءِ الْقَلْبِ إِلَى مَرْتَبَتِهَا ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّةَ ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا ، وَيُعَانِقُ الْحُورَ ، فَهُوَ كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ قَطْعًا ، وَأَنَّ مَنْ دَافَعَ نَصَّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ الْمَقْطُوعِ بِهَا الْمَحْمُولِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَهُوَ كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ الْإِسْلَامِ كَالنَّصَارَى ، أَوْ شَكَّ فِي تَكْفِيرِهِمْ ، أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ ، فَهُوَ كَافِرٌ ، وَإِنْ أَظْهَرَ مَعَ ذَلِكَ الْإِسْلَامَ وَاعْتَقَدَهُ ، وَكَذَا يَقْطَعُ بِتَكْفِيرِ كُلِّ قَائِلٍ قَوْلًا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى تَضْلِيلِ الْأُمَّةِ ، أَوْ تَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ ، وَكَذَا