النووي
61
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
نَعَمْ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا ، فَقَالَ الْبَغَوِيُّ : لِأَهْلِ الْبَغْيِ أَنَّ يَكِرُّوا عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ عَلَى هَذَا ، أَنَّهُ أَمَانٌ فَاسِدٌ ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْبَغْيِ اغْتِيَالُهُمْ ، بَلْ يُبَلِّغُونَهُمُ الْمَأْمَنَ ، فَلَوْ قَالُوا : ظَنَنَّا أَنَّهُ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعِينَ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَعْضٍ أَوْ ظَنَنَّا أَنَّهُمُ الْمُحِقُّونَ ، أَوْ ظَنَنَّا أَنَّهُمُ اسْتَعَانُوا بِنَا فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ ، فَوَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : لَا اعْتِبَارَ بِظَنِّهِمُ الْفَاسِدِ ، وَلَنَا قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ ، وَأَصَحُّهُمَا : أَنَا نُبَلِّغُهُمُ الْمَأْمَنَ ، وَنُقَاتِلُهُمْ مُقَاتَلَةَ الْبُغَاةِ ، فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ مُدْبِرِينَ ، وَمَا أَتْلَفَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِمْ ، وَمَا يُتْلِفُونَ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ مَضْمُونٌ إِنْ نَفَّذْنَا أَمَانَهُمْ لَهُمْ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَلَوِ اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي قِتَالِنَا ، نُظِرَ ، إِنْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ قِتَالُنَا وَلَمْ يُكْرَهُوا ، انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ ، وَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْحَرْبِ ، فَيُقْتَلُونَ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ ، وَلَوْ أَتْلَفُوا بَعْدَ الْقِتَالِ شَيْئًا ، لَمْ يَضْمَنُوهُ ، وَقِيلَ : فِي انْتِقَاضِ عَهْدِهِمْ قَوْلَانِ ، وَإِنْ قَالُوا : كُنَّا مُكْرَهِينَ ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَيُقَاتَلُونَ مُقَاتَلَةَ الْبُغَاةِ ، وَإِنْ قَالُوا : ظَنَنَّا أَنَّهُ يَجُوزُ لَنَا إِعَانَةُ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَعْضٍ ، أَوْ أَنَّهُمْ يَسْتَعِينُونَ بِنَا عَلَى كُفَّارٍ ، أَوْ أَنَّهُمُ الْمُحِقُّونَ ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَقِيلَ : قَوْلَانِ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا عُذْرًا ، انْتُقِضَ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَقِيلَ : قَوْلَانِ ، ثُمَّ قِيلَ : الْقَوْلَانِ إِذَا لَمْ نَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ تَرْكَ الْقِتَالِ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ ، فَإِنْ شَرَطَ ، انْتُقِضَ قَطْعًا ، وَقِيلَ : قَوْلَانِ مُطْلَقًا ، وَحَيْثُ قُلْنَا : يَنْتَقِضُ ، فَهَلْ يُبَلَّغُونَ الْمَأْمَنَ أَمْ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ ؟ فِيهِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي الْجِزْيَةِ ، فَإِنْ قُلْنَا : يُبَلَّغُونَ الْمَأْمَنَ ، فَهَلْ لَنَا قَتْلُهُمْ مُنْهَزِمِينَ ؟ وَجْهَانِ ، وَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْقِتَالِ ، ثُمَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ ، أَنَّهُ كَمَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ فِي حَقِّ أَهْلِ الْعَدْلِ يَنْتَقِضُ فِي حَقِّ أَهْلِ الْبَغْيِ ، وَفِي « الْبَيَانِ » أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي انْتِقَاضِهِ فِي حَقِّ الْبُغَاةِ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَنْتَقِضُ ، فَهُمْ كَالْبُغَاةِ فِي أَنَّهُ لَا يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ