النووي
46
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
قُلْتُ : وَمِمَّا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ مِنْ هَذَا ، أَنَّهُ لَوْ جَمَعَ شُرُوطَ الْإِمَامَةِ اثْنَانِ ، اسْتُحِبَّ لِأَهْلِ الْعَقْدِ أَنْ يَعْقِدُوهَا لِأَسَنِّهِمَا ، فَإِنْ عَقَدُوهَا لِلْآخَرِ ، جَازَ ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ ، وَالْآخِرُ أَشْجَعَ ، رُوعِيَ فِي الِاخْتِيَارِ مَا يُوجِبُهُ حُكْمُ الْوَقْتِ ، فَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى زِيَادَةِ الشَّجَاعَةِ لِظُهُورِ الْبُغَاةِ وَأَهْلِ الْفَسَادِ ، كَانَ الْأَشْجَعُ أَحَقَّ ، وَإِنْ دَعَتْ إِلَى زِيَادَةِ الْعِلْمِ لِسُكُونِ الْفِتَنِ ، وَظُهُورِ الْبِدَعِ ، كَانَ الْأَعْلَمُ أَحَقَّ ، وَأَنَّهُ لَوْ تَنَازَعَهَا اثْنَانِ ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ : يَقْدَحُ ذَلِكَ فِيهِمَا فَيَعْدِلُ إِلَى غَيْرِهِمَا ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ : أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ ; لِأَنَّ طَلَبَ الْخِلَافَةِ لَيْسَ مَكْرُوهًا ، ثُمَّ هَلْ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ التَّسَاوِي ، أَمْ يُقَدِّمُ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ مَنْ شَاءُوا بِلَا قُرْعَةٍ ؟ فِيهِ خِلَافٌ ، وَأَنَّ الْخَلِيفَةَ إِذَا أَرَادَ الْعَهْدَ ، لَزِمَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْأَصْلَحِ ، فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ وَاحِدٌ ، جَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَقْدِ بَيْعَتِهِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ غَيْرِهِ ، وَلَا مُشَاوَرَةِ أَحَدٍ ، وَأَنَّ الْمَعْهُودَ إِلَيْهِ إِذَا اسْتَعْفَى ، لَمْ يُبْطَلْ عَهْدُهُ حَتَّى يُعْفَى ، فَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ ، جَازَ اسْتِعْفَاؤُهُ ، وَخَرَجَ مِنَ الْعَهْدِ بِاجْتِمَاعِهِمَا ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ ، لَمْ يَجُزْ إِعْفَاؤُهُ وَلَا اسْتِعْفَاؤُهُ ، وَيَبْقَى الْعَقْدُ لَازِمًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ وَأَمَّا الطَّرِيقُ الثَّالِثُ ، فَهُوَ الْقَهْرُ وَالِاسْتِيلَاءُ ، فَإِذَا مَاتَ الْإِمَامُ ، فَتَصَدَّى لِلْإِمَامَةِ مَنْ جَمَعَ شَرَائِطَهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِخْلَافٍ وَلَا بَيْعَةٍ ، وَقَهَرَ النَّاسَ بِشَوْكَتِهِ وَجُنُودِهِ ، انْعَقَدَتْ خِلَافَتُهُ لِيَنْتَظِمَ شَمْلُ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَامِعًا لِلشَّرَائِطِ بِأَنْ كَانَ فَاسِقًا ، أَوْ جَاهِلًا ، فَوَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا : انْعِقَادُهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا بِفِعْلِهِ . فَرْعٌ لَوْ تَفَرَّدَ شَخْصٌ بِشُرُوطِ الْإِمَامَةِ فِي وَقْتِهِ ، لَمْ يَصِرْ إِمَامًا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ الطُّرُقِ .