النووي
94
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
فَرْعٌ مَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ حُكْمُ الطَّلَبِ بِلَا بَذْلٍ ، فَلَوْ بَذَلَ مَالًا لِيَتَوَلَّى ، فَقَدْ أَطْلَقَ ابْنُ الْقَاصِّ وَآخَرُونَ أَنَّهُ حَرَامٌ وَقَضَاؤُهُ مَرْدُودٌ ، وَالصَّحِيحُ تَفْصِيلٌ ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ أَوْ كَانَ مِمَّنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ ، فَلَهُ بَذْلُ الْمَالِ ، وَلَكِنَّ الْآخِذَ ظَالِمٌ بِالْأَخْذِ ، وَهَذَا كَمَا إِذَا تَعَذَّرَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إِلَّا بِبَذْلِ مَالٍ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَحَبًّا ، جَازَ لَهُ بَذْلُ الْمَالِ لِيَتَوَلَّى ، وَيَجُوزُ لَهُ الْبَذْلُ بَعْدَ التَّوْلِيَةِ لِئَلَّا يُعْزَلَ ، وَالْآخِذُ ظَالِمٌ بِالْأَخْذِ ، وَأَمَّا بَذْلُ الْمَالِ لِعَزْلِ قَاضٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِصِفَةِ الْقُضَاةِ ، فَمُسْتَحَبٌّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْلِيصِ النَّاسِ مِنْهُ ، وَلَكِنَّ أَخْذَهُ حَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ ، وَإِنْ كَانَ بِصِفَتِهِمْ فَحَرَامٌ . فَإِنْ فَعَلَ ، وَعُزِلَ الْأَوَّلُ ، وَوُلِّيَ الْبَاذِلُ ، قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ : تَوْلِيَتُهُ بَاطِلَةٌ ، وَالْمَعْزُولُ عَلَى قَضَائِهِ ، لِأَنَّ الْعَزْلَ بِالرِّشْوَةِ حَرَامٌ ، وَتَوْلِيَةُ الْمُرْشِي وَالرَّاشِي حَرَامٌ ، وَلْيَكُنْ هَذَا عِنْدَ تَمَهُّدِ الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ ، فَأَمَّا عِنْدَ الضَّرُورَاتِ ، وَظُهُورِ فَرْعِ طُرُقِ الْفِتَنِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَنْفِيذِ الْعَزْلِ وَالتَّوْلِيَةِ جَمِيعًا ، كَتَوْلِيَةِ الْبُغَاةِ . فَرْعٌ طُرُقُ الْأَصْحَابِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ فِي تَعَيُّنِ الشَّخْصِ لِلْقَضَاءِ وَعَدَمِ تَعَيُّنِهِ إِلَى الْبَلَدِ وَالنَّاحِيَةِ لَا غَيْرَ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ طَلَبُ الْقَضَاءِ بِبَلْدَةٍ أُخْرَى لَيْسَ بِهَا صَالِحٌ ، وَلَا قَبُولُهُ إِذَا وُلِّيَ وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيَامِ بِسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الْمُحْوِجَةِ إِلَى السَّفَرِ ، كَالْجِهَادِ وَتَعَلُّمِ الْعِلْمَ وَنَحْوِهِمَا ، فَإِنَّ تِلْكَ يُمْكِنُ الْقِيَامُ بِهَا ، وَالْعَوْدُ إِلَى الْوَطَنِ ، وَعَمَلُ الْقَضَاءِ لَا غَايَةَ لَهُ . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي صِفَاتِ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي وَفِيهَا فَصْلَانِ : الْأَوَّلُ : فِي صِفَاتِ الْقَاضِي وَلَهُ ثَمَانِيَةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا : الْحُرِّيَّةُ ،